المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجراوية والعرقجين ذاكرة تركمانية إستنسختها الحواري البغدادية



بصراوي مشاغب
12-04-2013, 07:58 AM
الجراوية والعرقجين ذاكرة تركمانية إستنسختها الحواري البغدادية

http://alsharqpaper.com/filemanager.php?action=image&id=1777

دسة و تحقيق / قاسم البياتي
يقول الدكتور المرحوم والعلامة اللغوي مصطفى جواد بأن ( الجراوية ) كلمة محرفة عن الكروية نسبة إلى الكرة نتيجة دورانها حول الرأس , وهي تمثل ذاكرة شعبية وموروثا خالصا , فمن هذا المنطلق لو تصفحنا أروقة ومعالم الموروث الشعبي وتأريخه الذي يمتد لعقود طويلة خلت , لوجدناه ينبض بألق الحياة المفعم بعبق الماضي ورمزية الحاضر , هذا الموروث الناتج من تفاصيل الإبداع التراثي والتواصل الإنساني
لم يستطع الزمن محوه وبقي علامة فارقة في المنولوج الاجتماعي .
( الجراوية والعرقجين ) تسميتان لرمز وموروث شعبي عراقي بإمتياز تتناقله الأجيال جيلا بعد آخر , لازال العديد من وجهاء مناطق بغداد كالسباع والكفاح والحيدرخانة وشمالا كطوز خورماتو وقرة تبة ومناطق من كركوك يفضلون إرتدائه ويعتبرونه الجزء المتمم لأناقتهم التي عرفوا بها , إذ تعددت أنواع هذا الزي بتعدد مسمياتها ومناطقها .
الشرق تجولت بين جوانح مسقط رأس هذا الموروث الشعبي لإبرازه , وتصفحت أوراق تأريخه وأستطلعت لقرائها ذكريات شخوص ستينية وسبعينية , وإرث ثمين لم تحبس معالمها موضة العصر .

قيمة معنوية وإجتماعية

وقفتنا الأولى في سياق تحقيقنا هذا كانت عند الحاج رضا زين العابدين (75 عاما) الذي دأب على تغطية رأسه بهذا الزي الشعبي منذ أن كان في مقتبل العمر قائلا : إن الجراوية هي إحدى معالم التمايز الطبقي بين المجتمعات وخاصة تلك التي تشتهر بأزيائها وتختص بعادات وتقاليد لنفسها , حيث إن لهذا الموروث قيمة معنوية واجتماعية منذ غابر الأزمان والذي توارثناه عن آبائنا وأجدادنا , مبيناً بأنه وكغيره من كبار السن وخصوصا الذين إعتادوا على تغطية رؤوسهم بهذا اللباس الشعبي ليس بإستطاعتهم السير في الأماكن العامة أو الجلوس في المقاهي وحضور المناسبات مفرعي الرأس , لأن الرأس المكشوف يعد عيباً بين أوساط المجتمع , ولأنه من متممات شخصيتهم التركمانية وغدا جزءا من معالم مدينتهم .
رب ضارة نافعة

سلمان عبد العظيم (65 عاما) متقاعد , من جانبه فند الإدعاءات التي تروي أبوة وجهاء بغداد وأهاليها لهذا الزي الشعبي بقوله : إنه في نهاية القرن التاسع عشر وحسب إحدى الروايات المؤكدة والتي كثر الحديث عنها , فإنه قد إجتاح العراق وباء خطير وهو ( مرض الطاعون ) والذي فتك بأعداد كبيرة من المواطنين لايستهان بأعدادهم وعطلت على إثرها الحياة وخاصة الوظيفية منها في أغلب المدن العراقية وتحديدا بغداد , مما حدا بالإدارة العثمانية التي كانت تبسط سيطرتها وسطوة حكمها على العراق إلى الاستعانة بالموظفين التركمان من مناطق ديالى وكركوك وتلعفر وطوز خورماتو وبقية القصبات التركمانية الأخرى إلى العمل في بغداد لسد فراغ الموظفين الذين لقوا حتفهم جراء هذا الوباء من جهة , وللمشتركات اللغوية التي تربط الجانبين من جهة أخرى , وزاد بأن هؤلاء الموظفين الذين تم الإستعانة بهم من قبل الإدارة العثمانية قد عملوا في وظائفهم وهم متمسكون بزيهم الشعبي هذا والمتمثل ( بالجراوية والعرقجين ) وإنهم قد قطنوا وبمعية عوائلهم المناطق البغدادية التي كانت عاملا مساعدا ومؤثرا في إنتشار هذا اللباس , بالإضافة إلى روايات أخرى كلها تؤكد على إن هذا الزي الشعبي كان منطلقه من المناطق الشمالية والمتمثلة بمدينتي طوز خورماتو وكركوك إلى بغداد .

زي شعبي ينطق بتركمانيته

المواطن خليل قاسم ممالي (54 عاما) أكد بأن للتركمان دور كبير في إنتشار هذا الزي الشعبي في باقي المدن والمحافظات العراقية , حيث إشتهروا بهذا الموروث الخالد وأضحى جزءا مكملا لشخصيتهم وينطق بتركمانيتهم أينما وجدوا , مشيراً بأن هذا المفهوم يمثل حقيقة الهوية التركمانية كما هي الأزياء الشعبية الأخرى التي تمثل مكوناتها وأناسها , وانه لايخفي هوسه حد العشق في إرتداء ( الجراوية ) سواء في المناسبات الإجتماعية أو حتى في متجره الذي يتخذ منه حرفته كقصاب , حتى إنه قد أخذ بعدا إجتماعيا وأعطى لشخصيته الشيء الكثير .
تؤامان متلاصقان

الحاج نوري مدحت ( 67 عاما ) لخص كيفية لفة الجراوية وذلك بطي اليشماغ على شكل مثلثين وبطريقة سهلة الإستعمال من جانبهم قائلا : تبرم الجراوية بشكل منظم ويبدأ بلفها حول العرقجين , واضعين بداية اللفة حول الإذن اليسرى ثم نكمل بقية اللفة حول الرأس وما أن نصل إلى نهاية اللفة حتى نقوم بعمل بروز واضح في نهاية الجراوية إذ تختلف طبيعة تركيبتها من منطقة لأخرى وكذلك لعدم تأثر هيئتها عند القيام بعمل ما , وأما بخصوص العرقجين أو ( الفيس ) الرجالي فيضيف الحاج مدحت بأن صناعته تتم من خيوط الصوف وترسم عليه نقوش معينة ومن نفس الصوف وباللونين السائدين الأبيض والأسود ويكون أما مشبكا أو مشجرا , وهو مركب من كلمتين (عرق) أي مرشح الجلد و(جين) بمعنى جامع .
علامة فارقة

فيما بين الشاعر عرفان ولي دميرجي ( 56 عاما ) أهمية هذا الموروث والذي يشرح بتفاصيله وتأريخه الذي يمتد لآلاف السنين وتحديدا منذ العصر السومري حيث يشرح للأجيال حضارة وادي الرافدين العريقة , مؤكدا إن التواصل مع هذا الموروث الذي يشكل علامة فارقة في تأريخ المدن التركمانية والتي شكلت النواة الأولى لهذا الزي حتى أضحت هي صاحبة إنتشاره في هذه المنطقة أو تلك أمر ضروري خوفا عليه من الاندثار والنسيان كما حصل للعديد من العناوين التراثية الأخرى .
تأريخ لاينضب

علي معروف أوغلو ( 73 عاما ) من الشخصيات الأدبية التركمانية المعروفة والتي تعتمر هذا اللباس بأستمرار أوضح من جانبه , بأن العراقيين وخاصة التركمان منهم هم أقدم من عرفوا الملابس والأزياء وتفننوا في صنعها , ويدلنا التأريخ في حديثنا هذا على مدى الخيال الخصب لهم في إيجاد النماذج والتنوع لقطع الملابس التي كانوا يرتدونها , فكان لهم في كل مناسبة زيا خاصا يستعملونه لإغراض تلك المناسبة ,
ويضيف بأن الجراوية هي إحدى الألبسة التي تميزت بها الشخصية التركمانية في بغداد وكركوك وأربيل وطوز خورماتو وغدت من الأماكن والحواري الرئيسية لهذا الزي الشعبي وهو عنوان للتميز والإبداع الشعبي ,
ويؤكد من جانبه أن جميع المناطق التركمانية التي اشتهرت بإرتداء هذا الزي لاتزال محافظة عليه وتعتبره تأريخها الذي لاينضب .
وجاهة إجتماعية

المواطن ولي علي (73 عاما) يقول : لكل شعب أو قومية فلكلوره الخاص وأزياءه المميزة , تعكس من خلالها تفاصيل حياة أبنائها على مدى تأريخه لذلك نرى إصرار البعض على التواصل مع موروثه رغم التطور الذي يستشري في المجتمع , لأنهم يجدون في هذا التواصل متعتهم من خلال ذكرياتهم التي تغلف واقع حياتهم , ويضيف إن كل من يعتمر هذا الغطاء إنما هي للوجاهة الإجتماعية وماتحملها من إيحاءات تعيد بأذهانهم وذاكرتهم إلى ذلك الزمن الجميل الذي كان يلف حياتهم الاجتماعية الجميلة من جهة ومحاولة خالصة للحفاظ عليه من الانحسار ومنحه الإهتمام الذي يستحقه من جهة أخرى .
دلائل تأريخية

فيما يستذكر موسى محمد بنه ( 75 عاما ) الأحاديث التي كانت متداولة في المجالس الإجتماعية والأسرية حول غطاء الرأس ( الجراوية والعرقجين ) وحسب شهادات مختصين في المجال التراثي والتأريخي والذين أكدوا جميعا إن الترك السومريين هم أول من إعتمروا هذا الزى وعدوه رمزا شعبيا وموروثا إجتماعيا , والتي جسدت موضات ذلك العصر , ومنذ ذلك التأريخ غدا هذا الأمر عنوانا وذائقة شعبية يفتخر بها التركمان , مؤكداً بأن هناك تسميات قد تعددت بتعدد مناطقها فمنها الدوزلاوية والكركوكلية والمهداوية والفضلاوية والسي لفة وكذلك لفة أبو جاسم لر ( وهي أداة جمع تركية ) , فالدوزلاوية تتألف من ثلاث لفات مع إبراز جانبها إلى الخارج قليلا , وأما المهداوية فتتألف من ثلاث طيات أيضا وهي الشائعة عند سكان محلة المهدية في بغداد , وبخصوص الفضلاوية وهي نسبة إلى إحدى أشهر المناطق البغدادية والتي تقع في شارع الكفاح فهي تتألف من أربع طيات , أما السي لفة فقد شاعت بين أبناء محلة الحيدرخانة في بغداد , مضيفاً إن مناطق ديالى وكركوك والموصل وعدد آخر من القصبات التركمانية الأخرى قد تشابهت أغطيه الرأس فيها من حيث طياتها ولم يكن هناك إلا إختلافا بسيطاً من حيث ألوان العرقجين أو بعدد الطيات .
موروث إن حكى

الحاج أمين دردوش (77 عاما) بدأ حديثه بتنهيدة إرتسمت معالمها على جغرافيا وجهه , وحملت العديد من التساؤلات عن مصير هذا الموروث الذي أضحى فريسة العصر والهوس الشبابي قائلا : الجراوية والعرقجين موروث زين حياتنا ورسخ التقاليد الإجتماعية الرصينة في نفوسنا وبين مكونات مجتمعاتنا , وهو تحديداً يمثل تأريخاً عميقاً لواقع التركمان وأعتقد بأن إندثاره قد قاب قوسين أو أدنى لأن جل معتمريه قد بلغوا من العمر عتيا , ولا من تواصل شبابي مع هذا الرمز والموروث الشعبي , بعدها توقف عن الكلام لبرهة حملت بين ثناياها تعثر لسانه في إيصال حزنه وألمه وما تعتريه دواخله وهو يرى إندثار هذا الزي الذي لطالما كان عنوان العراقيين والتركمان وإندراجه على لائحة النسيان وبدأ يتوارى عن الواقع الإجتماعي للمدينة شيئاً فشيئاً , ثم يسترسل حديثه بعدها بالقول : لو قدر لهذا الرمز الشعبي أن ينطق فسوف يكون شاهدا على إبداعات التركمان وأصالتهم وتأريخهم وكذلك المشاكل التي حلت بهم .

يوسف الموسوي
12-04-2013, 10:15 PM
شكرا على الموضوع

بصراوي مشاغب
12-05-2013, 08:04 AM
الشكر لمروركم ياطيب