زين العابدين
08-30-2007, 03:14 PM
مؤلفات الشهيد مرتضى مطهري
محاضرة القيت ليلة العاشر من محرم سنة 1393هجرية ..
شهيد يتحدث عن الشهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}(آل عمران/169).
صدق الله العلي العظيم
[13]
كلمة لابد منها ....
الحديث عن الشهادة والشهيد لا يمكن أن يصاغ بعبارات علميه ولا بمعادلات رياضيّة... إذ
انه حديث (الروح) لا حديث (العقل) ..
التحليلات الفلسفية والعلمية والعقلية لا تستطيع أن تخلق الإنسان المجاهد، ولا بمقدورها أن تبعث في الموجود البشري اندفاعا نحو الإستشهاد ..
الشهيد إنسان ارتفعت روحه إلى مستوى الشهادة ..وتحررت روحه من قيود الشهوات الهابطة، فأضحى منطقه منطقا جديدا قد لا يفهمه (العلماء) و (الفلاسفة) و (عقلاء القوم)!
حديث الشهيد والشهادة لا يفهمه إلاّ من يسير على خط الشهادة، ولا يتذوقه إلاّ من سما
وتحرر من ربقة البطن والفرج والأهواء الدنيئة .
[14]
وحديث الشهيد والشهادة .. أيضا، لا يمكن أن يكون صادقا معبرا إلا إذا انطلق من قلب إنسان
وهب نفسه لرسالته، وكسر إطار ذاتياته لينصهر في هدفه السامي .
وهذا الحديث يحلو ويصدق ويتعمق أكثر .. لو صدر عن قلب إنسان وهب نفسه لهدفه السامي حتى آخر لحظه من حياته .
يحلو ويصدق ويتعمق أكثر فأكثر . إذا صدر عن قلب إنسان سقط مضرجا بدمه على طريق رسالته الكبرى ..
وهذا الذي بين يدي القارئ، ترجمه لحديث عن الشهيد والشهادة .
ألقي في( ليلة الشهيد والشهادة) وصدر عن قلب إنسان قضى حياته على طريق الشهادة .. أي على طريق الذوبان في الهدف السامي، والتفاني من أجل تحقيق هذا الهدف .
هذا الحديث ألقاه الأستاذ مرتضى مطهري شهيد الثورة الإسلامية في إيران ..
وهو _ كما قلت _ حديث الروح قبل أن يكون حديث العقل ..
وحديث الروح هذا أقدمه إلى الذين يستطيعون أن يتذوقوه .. وإلى الذين يستطيعون من
خلال سطوره أن يستشموا رائحة الشهادة التي فاحت في سماء إيران فأسفرت عن
ولادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
المعرب
[15]
قدسية الشهيد
ثمة كلمات لها في عرف البشرية عامه، وفي عرف المسلمين خاصة قدسيه وعظمة واحترام .
العالم، والفيلسوف، والمخترع ، والبطل، والمصلح، والمجتهد، والإستاذ، والطالب
والعابد، والزاهد، والمؤمن، والمجاهد، والمهاجر، والصدّيق، والآمر بالمعروف ،
والولّي، والإمام، والنبيّ ... كلمات، بعضها مقرون بالعظمة والإحترام لدن أبناء البشر
عامه .. وبعضها الآخر تحمل هذه الصفة عند المسلمين خاصة .
ومن الطبيعي أن اللفظ لا يحمل طابع القداسة بنفسه، بل بما ينطوي عليه من معنى ..
جميع المجتمعات البشريه تنظر بعين التقديس إلى بعض المفاهيم مع اختلاف طفيف بينهما. وهذا التقديس يرتبط بجوانب خاصة من نفسيه هذه المجتمعات في حقل تقييمها للأمور غير المادية.
[16]
وهذه المسألة تحتاج إلى دراسة فلسفيه وإنسانية معمقه لسنا بصددها الآن.
و"الشهيد" كلمه لها في الإطار الإسلامي قداسة خاصة ..
والإنسان الذي يعيش المفاهيم الإسلامية ينظر إلى هذه الكلمة وكأنها مؤطرة بهالة من نور .
كلمة الشهيد مقرونة بالقداسة والعظمة في جميع اعراف المجموعات البشرية مع اختلاف بينهما في الموازين والمقاييس، ولسنا بصدد الحديث عن المفهوم غير الإسلامي لهذه الكلمة.
الشهيد _ في المعايير الإسلامية_ هو الذي نال درجة "الشهادة" أي الذي بذل نفسه، على طريق الأهداف الإسلامية السامية، ومن أجل تحقيق القيم الإنسانية الواقعية .
والإنسان الشهيد في المفهوم الإسلامي يبلغ -بشهادته- أسمى درجة يمكن أن يصلها الإنسان
في مسيرته التكاملية.
نستطيع أن نفهم سبب قدسية كلمة "الشهيد" في الإسلام وفي أنظار المسلمين من خلال
الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الشهادة والشهيد وكذلك من خلال ما وصلنا من
روايات في هذا الحقل ..
[17]
مكانة الشهيد:
القرآن الكريم يقول عن الشهيد:
"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون"
(آل عمران 169)
فالشهداء -إذن- "أحياء" و"عند ربهم " يرزقون ... وما أعظمها من منزله!!
والسنة تكثر من تشبيه المكانة السامية التي يمكن أن ينالها إنسان في حياته بمكانة الشهيد ..
لأنها ذروة الرقي والتكامل في المسيرة الإنسانية ..
فالسائرون على طريق طلب العلم، من أجل التعرف على الحقيقة، وطلبا لمرضاة الله تعالى، لا بهدف الترفع والاتجار، هم شهداء في
[18]
مفهوم الروايات الإسلاميه إن توفّاهم الله على هذا الطريق.
وهذا التشبيه يدل على علو مكانة طالب العلم إضافة لما له من دلالة على أن الشهادة هي الذروة في مسيرة الإنسان التكاملية .
ونظير هذا التشبيه ورد بشأن الساعي على طريق إدارة دفة اقتصاد عائلته، وبالتالي على طريق إدارة اقتصاد مجتمعه .. في الحديث:
"الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله" ..
[19]
حق الشهيد
كل أولئك الذين خدموا البشرية بشكل من الأشكال لهم حق على بني الإنسان، سواء أسدوا خدماتهم عن طريق العلم أم الفكر أم الفلسفة و الاختراع والاكتشاف أم الأخلاق والحكمة العملية ...
لكن أحدا من هؤلاء ليس له على البشرية حق كما الشهيد ...
ومن هنا فان ما يكنه أبناء البشر من تعاطف وانشداد تجاه الشهداء يفوق ما يكنوه تجاه سائر
خدمة البشرية.
ولماذا هذا التفوق ؟
الدليل واضح .. كل المجموعات التي أسدت خدمات إلى البشرية مدينة للشهداء .. لكن الشهداء قلما كانوا مدينين لهذه المجموعات.
العالم في علمه .. والفيلسوف في فلسفته .. والمخترع في اختراعه .. ومعلم الأخلاق في تعاليمه، محتاجون إلى أجواء حرة مساعدة كي يقدموا خدماتهم ..
[20]
والشهيد بتضحياته يوفر هذه الأجواء ..
الشهيد كالشمعة التي تحترق وتفنى لتضئ الطريق للآخرين ..
الشهداء شموع البشرية على طريقها اللاحب الطويل ..
ولولا هذه الشموع لما استطاعت المسيرة البشرية أن تواصل طريقها، ولما استطاع أبناء البشر في ظلمات الاستعباد والاستبداد أن يمارسوا نشاطاتهم ويقدموا خدماتهم الإنسانية.
والله سبحانه يخاطب نبيه الكريم قائلا:
"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا "
(الأحزاب 44-45)
و(السراج المنير) مفهوم يدل على الإضاءة، وينطوي على معنى الاحتراق وإزالة دياجير الظلام .
[21]
جسد الشهيد
أحكام الإسلام تقوم كلها على أساس الحكمة والمصلحة، وجميعها
لها دلالاتها الخاصة، وخاصة دلالاتها الإجتماعية.
ومن هذه الأحكام ما يتعلق بالميت من غسل وتكفين وصلاة ودفن . وكلها ذات معان خاصة لسنا بصدد الحديث عنها ..
إلاّ أن أحكام الميت هذه، لها استثناء .. وهذا الإستثناء يختص بجسد الشهيد .
فأحكام الميت لا تطبق على جسد الشهيد سوى الصلاة والدفن .
أما الغسل والتكفين .. فلا .
الشهيد يدفن بدمه وملابسه ..
وهذا الإستثناء له مغزاه العميق، انه يرمز إلى أن روح الشهيد بلغت درجة
من السمو والطهارة بحيث ترك هذا السمو والطهر آثاره على
[22]
جسد الشهيد وعلى دمه، بل وحتى على ما يرتديه من لباس .
بدن الشهيد "جسد متروح " إن صح التعبير، أي أضحى
وجودا تجري عليه أحكام الروح ..
ولباسه أضحى .. "لباسا متجسدا" أي تجري عليه أحكام
الجسد الذي يضم تلك الروح الطاهرة .
فجسد الشهيد ولباسه اكتسبا الشرف من طهر روحه وعلو فكره وسمو تضحيته ..
وتلك دلالة أخرى على قداسة الشهيد في المفهوم الإسلامي ..
[23]
منشأ القدسية
ما هو مبعث القدسية في "الشهادة" ؟!
من الواضح أن هذه القدسية لا تأتي من كونها مقرونة بالقتل .
فكثير من القتل لا تعدو أن تكون هلاك إنسان، وربما اقترنت
أحيانا بالعار بدلا من الفخار .
لنوضح هذه المسألة أكثر ..
موت الأشخاص ذو أنواع وأقسام .
1- الموت الطبيعي، الإنسان يموت بشكل طبيعي بعد أن يقضي
عمره الطبيعي، ومثل هذا الموت لا ينطوي على عار ولا فخار ..
ولا يستتبعه عادة أسف عميق .
2- الموت الإخترامي (اخترمه:أهلكه واستاصله) وهو ما يحدث على أثر انتشار،
[24]
الأمراض الفتّاكة والأوبئة أو وقوع الزلازل والسيول ونظائرها من
السوانح الطبيعية ..
هذا النوع من الموت لا يتضمن عارا ولا فخارا أيضا.. لكنه
يقترن بالأسف عادة لأنه يودي إلى إتلاف الأفراد .
3- الموت المصحوب بعمل جنائي، حيث المقتول برئ، والقاتل
ينقض على فريسته ارضاءا لهواه وقضاء على من يتصور أنه يزاحمه
في مصالحه الشخصية.
مثل أنواع هذا القتل نقرا أخبارها باسمرار على أعمدة الصحف
و في صفحات التاريخ..
فهذا رجل قتل صاحبه لمنافسة بينهما على مال أو متاع .
وهذه إمرأه قتلت طفل زوجها كي تستأثر وحدها بحب الزوج .وذاك الوالي أعمل السيف في
رقاب أبناء وال آخر تجنبا لمنافستهم إياه في المستقبل .
وعلى مسرح مثل هذه الحوادث جانبان .. جانب يقف فيه القاتل ويداه ملطختان بدم الجناية، ويداه ملطختان بدم الجناية، وعيناه يتطاير منهما الخبث والشرر ومنظره يثير النفرة
والإحتقار .. وجانب آخر يظهر فيه المقتول صريعا مظلوما، مهدور الدم، يثير تجاهه
عواطف الأسف والترحم . ومن الواضح، أن هذا النوع من الموت _ مع ما يتضمنه من أسف وترحم على القتيل _ لا يقترن بالإعجاب والإفتخار، لأن المقتول لم
[25]
يكن له دور في العملية، بل إن عوامل الحسد والعداء والحقارة هي التي أردت هذا الإنسان قتيلا.
4_ الموت الجنائي، وهو ما يحدث على أثر جناية يرتكبها القتيل كالإنتحار، وهو أحط أنواع الموت . وأولئك الذين يقتلون في حوادث اصطدام السيارة نتيجة ارتكابهم خطأ عمديا
وكل الذين يلاقون حتفهم على طريق الإنحرافات يموتون بهذا النوع الجنائي .
5_ الإستشهاد، وهو الموت الذي يتجه نحوه القتيل تحقيقا لهدف مقدس إنساني، أو "في سبيل الله "، على حد التعبير القرآني، مع ما يحتمله أو يظنه أو يعلمه من أخطار في طريقه .
وللشهادة ركنان:
الأول: قدسية الهدف، والموت على طريق تحقيق هذا الهدف المقدس، أي أن يكون "في سبيل الله".
الثاني: أن تكون الشهادة قد تمت عن علم ووعي .
وللشهادة وجهان:
وجه مقدس في انتسابها للمقتول .. ووجهه بشع إجرامي في انتسابها للقاتل .
الشهادة _ بما تحمله من صفات سامية كالوعي والإختيار وقدسية الهدف وخلوها من الميول الذاتية _ عمل بطولي يبعث على الإعجاب والإفتخار .
هذا النوع من (الموت) هو وحده الذي يفوق (الحياة) عظمة وقدسية وأهمية .
وهنا ينبغي أن نشير إلى ظاهرة مؤسفة تطغي على مجالس ذكر الحسين بن علي _عليه السلام _ هذه المجالس تضفي على مقتل الحسين طابع النوع الثالث من الموت، أي موت الإنسان البريء الذي ذهب دمه هدرا، مع أن هذه المجالس تذكر الحسين على أنه "شهيد" بل " سيد الشهداء " .
كثير من الموالين لآل البيت يذرفون الدموع على مظلومية سيد الشهداء، وكأنهم يبكون على طفل برئ ذهب ضحية أهواء طاغية من الطغاة (هذه الظاهره السلبيه التي يذكرها المؤلف الشهيد، هي إنعكاس طبيعي لما يسود المجتمع الإيراني من روح هابطه . أما حين سمت هذه الروح وتكاملت أبان أحداث الثورة الإسلامية، وبلغت مستوى فهم الشهادة والشهيد فقد تغير وجه أكثر المجالس الحسينيه بشكل واضح، وزالت منها تقريبا هذه الظاهرة السلبيه التي يذكرها المؤلف ).
لو كان الحسين كذلك .. لو كان مظلوما عديم الدور في حادث مقتله، كسائر المقتولين ظلما وعدوانا .. لما كان شهيدا، فما بالك بكونه سيد الشهداء !!
ليس من الصحيح أن نحصر الحسين في إطار الإنسان الذي ذهب ضحية أهواء الطواغيت .
[27]
نعم، الوجه الآخر لفاجعة كربلاء تمثل بشاعة القاتلين وإجرامهم واستفحال أهوائهم الدنيئة .
لكن الوجه الآخر الذي يرتبط بالحسين هو الشهادة .. أي المقاومة الواعية الذكية على طريق
الهدف المقدس . فمع علم الحسين بالمصير الذي سيواجهه نتيجة مواقفه المتصلبة رفض البيعة مع الطغاة رفضا باتا .. وأبى السكوت وأعتبر المداهنة معصية ما بعدها معصية .
تاريخ الحسين وما سجله في التاريخ من كلمة وعمل، أوضح دليل على ما نقول.
الشهادة تكسب _ إذن_ قداستها من صفتها التضحوية الواعية على طريق الهدف المقدس.
[28]
الجهاد، أو مسؤولية الشهيد
العملية التي تؤدي إلى الشهادة أي إلى الموت الواعي على طريق الهدف المقدس، قد اتخذت في الإطار الإسلامي شكل مبدأ هو "الجهاد".
ولو أردنا أن نوضح هذا المبدأ، فثمة أسئلة متعددة تطرح نفسها على بساط البحث منها:
هل أن ماهية هذا المبدأ دفاعية أو هجومية؟وإن كانت دفاعية، فهل ينحصر في إطار الدفاع عن الحقوق الشخصية والقومية، أم يتسع نطاقه ليشمل الحقوق الإنسانية، كالحرية
والعدالة ..؟
وهل التوحيد جزء من الحقوق البشرية والإنسانية أم لا؟
وهل مبدأ الجهاد يتنافى أساسا مع حق الحرية أم لا؟
الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب الخوض في بحوث وتفصيلات شيقة مفيدة لا مجال لها في
حديثنا هذا .. فنكتفي بالقول:
[1529]
إن الإسلام ليس بالدين الذي يدعوا الفرد إلى إدارة خده الأيسر
إن صفع على خده الأيمن، وليس بالدين الذي يقول: ما لله لله، وما لقيصر لقيصر ..
وليس بدين يفتقد الهدف ويعدم خط الدفاع والدعوة .
آيات عديدة في القرآن الكريم تذكر ثلاث مصطلحات مقرونه مع بعضها هي:
(الإيمان ) و (الهجرة) و (الشهادة) ..
إنسان القرآن موجود مرتبط بالإيمان ومتحرر من كل شيئ آخر، وهو الموجود الذي يهاجر لينقذ إيمانه، ويجاهد لإنقاذ إيمان المجتمع، أو بعبارة أخرى، لانقاذ المجتمع من براثن الكفر والشرك.
يطول بنا الحديث لو استعرضنا الآيات والروايات الواردة في هذا الحقل . لذلك نكتفي بالقاء الضوء على جمل معدودات من إحدى خطب أمير المؤمنين في نهج البلاغة:
(أما بعد فان الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقه، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء، ودُيّت (ديث: مبني للمجهول من ديثة، أي:ذللة) بالصغار والقماءة (الصغار والذل) ،
[30]
وضرب على قلبه بالاسداد (الأسداد جمع سد، أي الحجب)، واديل الحق منه (أي صارت الدولة للحق بدله) بتضييع الجهاد، وسيم الخسف(الذل والمشقه)، ومنع النصف(العدل) )
فالجهاد، باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه .. نعم لخاصة أوليائة ..وهي كلمة لها مدلولها العميق ..
باب الجهاد غير مفتوحه بوجه الجميع .. لأن وسام المجاهد لا يتقلده إلا من كان لائقا
لذلك .. وأولياء الله غير لائقين بأجمعهم لتقلد هذا الوسام، بل .. خاصة أولياء الله.
ورد في القرآن: أن للجنة ثمانية أبواب .
فلم هذه الأبواب الثمانية؟!
أللتخفيف من شدة الإزدحام؟
غير معقول! لأن العالم الآخر ليس بعالم تزاحم . والله قادر على أن يدخل جميع عباده الجنة دونما تأخير أو انتظار كقدرته على محاسبتهم السريعة "والله سريع الحساب".
هل الهدف من تعدد الأبواب تقسيم الناس إلى طبقات بحسب مكانتهم أو مشاغلهم الدنيوية؟!
[31]
كلا .. هذا غير ممكن أيضا، فليس ثم معيار سوى التقوى .
تعدد الأبواب ليس له مفهوم سوى تعدد الدرجات، لا الطبقات .
للإيمان والعمل والتقوى مراتب ودرجات، ولكل درجته ومنزلته في مدارج الإيمان
والعمل والتقوى، بمقدار ما طوى من المراحل التكاملية لهذه المدارج في الحياة الدنيا .
ولكل فئة طوت مرحلة معينة من مراحل تكاملها باب تدخل منها الجنة في الحياة الأخرى حسب درجتها ومنزلتها، أي حسب ما طوته من أشواط على طريق إيمانها وعملها وتقواها في هذه الحياة .. فذاك العالم تجسد ملكوتي لهذا العالم .
الباب التي يدخل منها المجاهدون _إذن_ هي الباب المفتوحة لخاصة أولياء الله، يلجون منها لينالوا فوز القرب الإلهي .
والإمام يصف الجهاد بعد ذلك بأنه لباس التقوى ..
والتقوى يعني "الطهر الحقيقي".
الطهر الحقيقي من كل الآثام .
من المعلوم أن جذور الآثام الروحية والخلقية هي الكبر والغرور والأنانية . ومن هنا فإن المجاهد الواقعي اتقى الأتقياء .
فرب متق طهر من الحسد، وآخر من الكبر، وآخر من الحرص، وآخر من البخل ..
لكن المجاهد أطهر الطاهرين، لأنه ضحى بكل
[32]
وجوده، ولذلك اختص بباب من أبواب الجنة لا ينالها سائر الطاهرين .
مفهوم "درجات التقوى" يوضحه القرآن بجلاء في الآية الكريمة:
{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(المائدة/93).
هذه الآية توضح مفهومين رائعين من المفاهيم القرآنية .
الأول: فلسفة الحياة وحقوق الإنسان .
فالآية تقول: النعم خلقت للإنسان . والإنسان خلق للإيمان والعمل والتقوى .
والإنسان يستطيع أن يتمتع بالنعم الإلهية إذا كان ملتزما بالحركة على الخط التكاملي ،
أي على خط الإيمان والتقوى والعمل الصالح.
الثاني: درجات الإيمان والتقوى، وعلماء الإسلام _انطلاقا من هذه الآية وغيرها من النصوص _ قسموا مراتب التقوى إلى:
العامّة، الخاصّة، وخاصّة الخاصّة .
وتقوى المجاهدين تقوى التضحية والفداء .والشهداء قدموا كل ما يملكون مخلصين إلى الله تعالى، واختاروا لأنفسهم هذا (اللباس ) من ألبسة التقوى .
ثم يصف الإمام الجهاد أنه "درع الله الحصينة وجنته الوثيقة" .
[33]
لو تربت أمة مسلمة على روح الجهاد، وتسلحت بهذا الدرع الإلهي، فلن تنثني أمام
أعتى الضربات .
والدرع، لباس من حلقات حديدية يرتديه المقاتل كي يبطل مفعول الضربة على الجسم ..
والجنة (الجنة والمجن والمجنة: كل ما وقي من السلاح) تحول دون وقوع الضربة على البدن . فالأول عمله المناعة والثاني:الدفاع .
وربما كان الإمام يشير في وصفه هذا إلى نوعين من الجهاد، جهاد وقائي يعطي للأمة مناعة من آثار الضربات المهلكة، وجهاد دفاعي يقف بوجه الضربات .
ثم يستعرض الإمام الآثار السلبية لترك الجهاد، والآثار السلبية التي تتحدث عنها العبارة جماعية لا فرديه، أي ترتبط بالمجتمع لا بالفرد .
هذه الآثار السلبية عبارة عن:
أ-الذلة والمسكنة .
ب-الشدائد والمصائب: وهو خلاف ما يمكن أن يتصور في هذا المجال، فرب أمة تترك الجهاد طلبا لرغد العيش .. لكن الشدائد والمصائب تتولى على مثل هذه الأمة.
ج-الاحساس بالحقارة النفسية .
[34]
د-فقدان البصيرة والرؤية الصحيحة، وهذه مسألة تلفت النظر كثيرا .
علي (عليه السلام ) يجعل الجهاد طريق لتفتح البصيرة وللرؤية الواضحة الصحيحة .
النصوص الإسلامية التي تؤكد على أن البصيرة وليدة العمل صريحة وكثيرة .. لكن هذا
النص أكثر صراحة، وذهب إلى أكثر مما ذهبت إليه النصوص الأخرى حيث اعتبر ترك
الجهاد يؤدي إلى إسدال الحجب على القلب أو على الفهم الصحيح والرؤية الواضحة للأمور.
ه- فقدان مركز القيادة، فالأمة التي تترك الجهاد لن تعود قادرة على حمل راية الإسلام والدعوة إلى الحق .
و- الحرمان من إنصاف الآخرين، فالأمة ذات اعتبار ومكانة واحترام مادامت مجاهدة، وإن افتقدت روحها الجهادية فقدت شخصيتها ومكانتها فلا يراعى لها حق، ولا تعامل بإنصاف .
قال الرسول الكريم:
الخير كله في السيف وتحت ظل السيف .
وقال أيضا:
إن الله أعز أمتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها .
وهذا يعني أن القدرة والقوة لا تنفصلان عن الأمة الإسلامية، والإسلام دين القوة والقدرة
ومدرسة تخريج المجاهدين .
[35]
يقول ويل ديورانت في "تاريخ الحضارة": ليس كالإسلام دين في حث اتباعه على التزود
بالقوة والمقدرة .
وحديث آخر عميق المغزى، روي عن النبي -ص-يقول:
"من لم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق".
فالإنسان المسلم أما أن يعيش حياة الجهاد عمليا أو على مستوى الأمل على الأقل.
وبهذا المعيار يعرف صدق الإنسان وإخلاصه في إسلامه .
وروي أنه سئل النبي -ص-
-ما بال الشهيد لا يفتن في قبره ؟
أجاب: كفى بالبارقة فوق رأسه فتنه.
فالشهيد قد اجتاز امتحانه تحت السيوف التي كانت مشهورة بوجهه، أي أنه اثبت إخلاصه وصدقه وبين حقيقة حين اختار الشهادة، فليس من اللازم أن يؤدي امتحانا آخر في عالم البرزخ.
[36]
اندفاع نحو الشهادة
الإندفاع نحو الشهادة ظاهره نلمسها بوضوح في جمرة غفيرة من مسلمي صدر الإسلام.
وحين يتطلع الإنسان إلى هذه الظاهرة يحس أن في أعماق هذه الفئة المؤمنة شوقا ولهفة إلى الشهادة..
هذا علي -عليه السلام- يقول:
(أنه لما أنزل الله سبحانه، قوله: "أفحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " علمت أن الفتنه لا تنزل بنا ورسول الله - صلى الله عليه وآله - بين أظهرنا .
فقلت: يا رسول الله، ما هذه الفتنه التي أخبرك الله تعالى بها ؟
فقال: "يا علي، إن أمتي سيفتنون من بعدي .
فقلت: يا رسول الله أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من أستشهد من المسلمين .
وحيزت عني الشهادة، فشق ذلك علي . فقلت لي " أبشر فان الشهادة من ورائك "؟
فقال لي: "إن ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذن ؟
فقلت: يا رسول الله، ليس هذا من مواطن الصبر . ولكن من مواطن البشرى والشكر"!!
ويقول علي أيضا:
"إن أكرم الموت القتل!والذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف أهون علي
من ميتة على الفراش في غير طاعة الله ".
هذا الإندفاع لم يكن مقصورا على عليّ وأمثال علي، بل إن عامة الناس كانوا يأتون إلى الرسول يطلبون منه أن يدعو الله لهم بالشهادة (تكررت هذه الظاهرة في إيران أبان الثورة الإسلامية، فاندفعت الملايين تطلب الموت، فوهب الله لها الحياة . والإمام القائد ذكر مرارا ان الأفراد ياتون اليه باستمرار يطلبون منه ان يدعو الله لهم أن يرزقهم الشهادة !!.)
هذا "خثيمة" واحد من سائر الناس يتنازع مع ابنه ليسبقه في الإستشهاد .
الأب يصر على الإبن أن يبقى في البيت ليذهب هو للجهاد .
والإبن يصر على الأب كذلك بالبقاء في البيت ليذهب هو .. فيقترعان .. فتقع القرعة على الإبن، فيذهب، ويستشهد .
ثم يرى الأب ولده في عالم الرؤيا يقول له:
[38]
يا أبت، انه قد وعدني ربي حقا !!
تصاعد شوق الإستشهاد في نفس الرجل العجوز فهرع إلى النبي يقول له:
لقد وهن عظمي وخارت قواي، لكني اشتاق إلى الشهادة، فاسأل الله أن يرزقني إياها ..
فدعا له رسول الله، ولم يمر عام حتى نال الرجل ما تمناه .. فقد سقط في معركة أحد مضمّخا بدم الشهادة !
و"عمر بن الجموح" .. كان قد أصيب في إحدى رجليه وسقط عنه حكم الجهاد إذ (ليس على
الأعرج حرج" ..
وحانت معركة أحد فتجهز أولاد هذا الرجل للمعركة، وهم هو أيضا أن يشارك مع أبنائه..
نصحه أولاده فلم يستجيب لهم، اجتمع أهله وأقاربه ينصحونه بالبقاء فأبى أن يصغي لهم
.. وذهب إلى الرسول شاكيا يقول: أبنائي يمنعوني أن أفوز بالشهادة .
فأجازه رسول الله أن يشارك في المعركة، وطلب من أبنائه أن يدعوه يحقق أمنيته في الإستشهاد . فخاض المعركة واستشهد .
وعندما بلغ خبر فشل المسلمين في أحد إلى المدينة سارع من كان في المدينة إلى جبل أحد ،
وبينهم امرأة عمر بن الجموح ..
عثرت هذه المرأة على جسد زوجها وإبنها وأخيها، فوضعت
[39]
الأجساد على ظهر بعير، وقفلت راجعة إلى المدينة لتدفن قتلاها في البقيع .. لكنها الفت البعير يأبى الإتجاه نحو المدينة، ولا يتحرك إليها إلاّ بمشقة . فالتقت بنسوة قادمات من المدينة نحو أحد بينهن عائشة زوج الرسول .
سألتها عائشة: من أي مكان تأتين ؟
أجابت:من أحد .
قالت عائشة: فما هذا الذي على ظهر البعير ؟
أجابت ببرود تام: أجسام زوجي وإبني وأخي، اذهب بهم إلى المدينة لأدفنهم هناك .
ثم سألتها عمّا وراءها .
أجابت المرأة: خيرا .. النبي سالم والحمد لله، ورد الله الذين كفروا بغيظهم .
ثم قالت المرأة لعائشة: إن هذا البعير يأبى العودة إلى المدينة وكأنه يروم الذهاب إلى أحد .
قالت عائشة: لننطلق معا إلى النبي في أحد، ثم قصت المرأة على النبي ما كان من شأن البعير . فسألها رسول الله عما قاله زوجها حين غادر المنزل، قالت: رفع يده إلى السماء
وسأل الله تعالى أن لا يعيده إلى بيته .
[40]
فأخبرها النبي باستجابة دعوة زوجها، وأمر بدفنه مع سائر الشهداء في أحد .
روح الاندفاع نحو الشهادة تجسدت في كل أئمة آل البيت وأتباعهم، وهذه الروح تطفح
في أدعيتهم التي خلفوها لنا ومنها:
اللهم برحمتك في الصالحين فأدخلنا، وفي عليين فارفعنا .. وقتلا في سبيلك مع وليك فوفق لنا.
والحسين بن علي -عليه السلام - يردد وهو يسير نحو كربلاء هذه الأبيات:
فان تكن الدنيا تعد نفيسة فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وان تكن الاموال للترك جمعها فما بال متروك به المرء يبخل
وان تكن الأبدان للموت انشأت فقتل امرئ بالسيف في الله أجمل
[41]
منطق الشهيد
لكل إنسان منطق خاص، وطريقة تفكير خاصة . ولكل معايير ومقاييس يحدد بموجبها
موقفه من المسائل والظواهر المختلفة .
وللشهيد منطق خاص .. انه (منطق الشهيد) الذي لا يمكن قياسه بمنطق الأفراد العاديين . فمنطق الشهيد أسمى .. انه مزيج من منطق المصلح ومنطق العاشق .. منطق المصلح الذي يتضور قلبه ألما لمجتمعه، ومنطق العارف العاشق للقاء ربه.
بعبارة أخرى - لو امتزجت مشاعر عارف عاشق للذات الإلهية بمنطق إنسان مصلح
لنتج عن ذلك "منطق الشهيد".
لا أحسب أني استطعت أن أعطي "منطق الشهيد" حقه من التصوير والتوضيح فلأضرب لذلك مثلا:
حين توجه الحسين بن علي -عليه السلام - نحو الكوفة، اجمع
[42]
عقلاء القوم على منعه من السفر قائلين: إن عزمه على السفر إلى العراق غير منطقي .
وكانوا صادقين فيما يقولون ..لم يكن عزم الإمام ينسجم مع منطقهم ..
مع منطق الإنسان الاعتيادي .. مع منطق الإنسان الذي يدور فكره حول محور مصالحه ومنافعه . لكن الحسين كان له منطق أسمى، كان منطقه منطق الشهيد، ومنطق الشهيد أسمى وأرفع من منطق الأفراد العاديين.
لم يكن "عبدالله بن عباس" و"محمد بن الحنفيه" من عامة الناس، بل كانا سياسيين عالمين، ومنطقهما منطق السياسة والمصلحة، منطق الحنكة والذكاء الذي يدور حول
المصلحة الفردية والانتصار الشخصي على المنافسين .
وذهاب الحسين إلى العراق عمليه خاطئة استنادا إلى هذا المنطق .
وهنا تجدر الإشارة إلى اقتراح ذكي قدمه ابن عباس إلى الحسين ..
لقد اقترح عليه أن يسلك طريقا سياسيا من نوع الطرق التي يسلكها "الأذكياء " ممن يتخذون الناس وسيلة لتحقيق أهدافهم وممن يقفون في المؤخرة دافعين الجماهير نحو مقدمة الجبهة، فان أحرز النصر نالوا ما جنته يد الجماهير، وإن فشلت الجماهير وقفوا على التل سالمين .
قال ابن عباس للحسين:
"يا ابن عم إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا
[43]
الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربهم، أقم في هذا البلد، فانك سيد أهل الحجاز، فان كان أهل العراق يريدونك -كما زعموا- فاكتب إليهم، فلينفوا عاملهم وعدوهم، ثم أقدم عليهم " (ابن الأثير ج4 ص16)
فابن عباس يريد أن يضع جماهير العراق في مقدمة الجبهة والحسين في المؤخرة .
يريد أن يقول للحسين:دع أهل العراق يواجهون العدو بأنفسهم فان انتصروا فقد استتب الأمر لك، وان لم يفعلوا كنت في حل منهم، ولن يصيبك مكروه.
لم يعر الحسين أي اهتمام لهذا الاقتراح وأعلن عن عزمه على الذهاب.
فقال له ابن عباس: فان كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك .
أجابه الحسين: يا ابن عم، إني لأعلم أنك ناصح مشفق، وقد أزمعت وأجمعت المسير !!
نعم ..
منطق الشهيد منطق آخر .منطق الشهيد منطق الاشتعال والإضاءة، منطق الانصهار والانحلال في جسم المجتمع من أجل بعث
[44]
الحياة في هذا الجسم وبعث الروح في القيم الإنسانية الميتة .. منطق تسجيل الملاحم ..منطق النظرة البعيدة .. البعيدة جدا .
ومن هنا كانت كلمة "الشهيد" مقدسة عظيمة .
ومن هنا فإننا لا نعطي الشهيد حقه إن وصفناه أنه "مصلح" لأنه فوق المصلحين .أو أنه "بطل" لأنه أعظم من الأبطال .
لا يمكن وصف الشهيد إلا انه "شهيد" وليس بمقدورنا أن نستعمل كلمة أخرى .
[45]
دم الشهيد
الشهيد يقف بوجه العدو، فأما أن يصرعه وأما أن يصرع لكن عمل الشهيد لا ينحصر في هذا الموقف!فلو كان عمله منحصرا بهذا لذهب دمه هدرا حينما يخر صريعا في ساحة المعركة. وهذا مالا يحدث، فدم الشهيد لايذهب هدرا .. دم الشهيد لايراق على الأرض .
كل قطره من دم الشهيد تتحول إلى آلاف القطرات .. بل إلى بحر من الدماء يدخل جسد المجتمع. ومن هنا قال الرسول-صلى الله عليه وآله- ما من قطرة أحب إلى الله من قطرة دم
في سبيل الله . الشهادة تزريق لجسد الأمة بدم جديد . والشهداء يضخون في شرايين المجتمع، وخاصة المجتمع الذي يعاني من فقر الدم، دما جديدا.
[46]
ملحمة الشهيد
الشهيد يسجل بدمه ملحمة يحيي بها روح الحماسة في مجتمع ماتت فيه روح الحماسة وخاصة الحماسة الإلهية .
ولهذا فالإسلام بحاجة دوما إلى شهيد ..
لأنه بحاجة مستمرة إلى حماسة متجددة .. وإلى ولادة متجددة.
[47]
خلود الشهيد
العالم يخدم المجتمع بعلمه، وعن طريق قناة العلم يخرج هذا العالم من فرديته ليرتبط بالمجتمع.
أي، عن طريق العلم تتحد شخصيته الفردية بشخصية المجتمع كما تتحد القطرة بالبحر .
بهذا الإتحاد، يخلد العالم جزءا من شخصيته، أي يخلد فكره وعمله .
والمخترع يتحد بالمجتمع عن طريق اختراعه، ويخلد وجوده عن طريق ما يقدمه للمجتمع من مخترعات .. وهكذا الفنان والشاعر ومعلم الأخلاق ..
والشهيد يخلد نفسه في المجتمع عن طريق دمه . أي عن طريق الدم الجديد الخالد الذي يهبه شرايين المجتمع، وبعبارة أخرى يكتسب
[48]
الشهيد صفة الخلود عن طريق تقديم كل وجوده وحياته .. لا عن طريق تقديم جزء من وجوده وشخصيته، كما يفعل غيره من الخالدين .
ولهذا فالنبي الكريم يقول:
"فوق كل ذي بر بر حتى يقتل في سبيل الله، وإذا قتل في سبيل الله، فليس فوقه بر"
[49]
شفاعة الشهيد
ورد في الأثر أن الله يقبل الشفاعة يوم القيامة من ثلاث طبقات:
طبقة الأنبياء وطبقة العلماء ثم الشهداء .
وهنا ينبغي أن نوضح أن الشفاعة هذه هي "شفاعة الهداية" ..
إنها تجسيد لما حدث في الدنيا من حقائق ..
فعن طريق الأنبياء اهتدى الناس ونجوا من الظلمات .
والعلماء -في هذا الحديث - هم العلماء الربانيون بما فيهم الأئمة الأطهار والرهط الصالح من أتباعهم ومن حذا حذوهم، وهؤلاء أيضا ساروا على طريق الأنبياء واخرجوا الناس من الظلمات إلى النور .
والشهداء ينهضون بنفس الدور، يضيئون الدرب أمام الناس ، فيهتدي من يريد الهداية ،
وبذلك يكون الشهداء شفعاء لمن اهتدى بهم .
[50]
البكاء على الشهيد
"حمزة بن عبدالمطلب " عم النبي الكريم، أستشهد في أحد، ولمع اسمه بين شهداء صدر الإسلام، وحاز لقب "سيد الشهداء، وقبره الآن بين شهداء أحد مزار لكل الذين يقصدون
زيارة المدينة المنورة.
كان حمزة قد هاجر من مكة إلى المدينة حيث مكث وحيدا ليس معه فيها من ذويه أحد، حتى استشهد .
حين رجع النبي -ص- بعد معركة أحد إلى المدينة، وجد أصوات البكاء تتصاعد من بيوت الشهداء إلاّ بيت حمزة .. فقال عبارته المعروفة:
"أما حمزة فلا بواكي له".
سرعان ما انتشرت هذه الكلمة في أرجاء المدينة، فأسرعت النساء
[51]
الثكلى والأيامى إلى بيت حمزة ليبكينه احتراما لمقولة النبي ولحمزة عمه .
فأصبحت العادة منذ ذلك الوقت أن يذهب كل من يريد أن يبكي على شهيد، إلى بيت حمزة
ليبكيه أولا .
وهذه الحادثة دلت على أن الإسلام - وان لم يشجع على بكاء الموتى - يميل إلى أن يبكي الناس على الشهيد .. لأن البكاء على الشهيد اشتراك معه فيما سجله من ملاحم، وتعاطف
مع روحه، وانسياق مع نشاطه وتحركه وتياره .
بعد حادثة عاشوراء، احتلت شهادة الحسين مركز الذروة على مسرح الشهادة . وانتقل لقب "سيد الشهداء " إلى الحسين -ع- وبقى حمزة سيدا للشهداء، لكن عبارة "سيد الشهداء" إن
أطلقت دون ذكر اسم فلا تنصرف إلاّ إلى الحسين .
كان حمزة سيد شهداء زمانه، وحاز الحسين على لقب سيد شهداء جميع الأعصر والدهور ، كمريم العذراء التي كانت سيدة نساء زمانها، ثم أضحت فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين .
كان حمزة - قبل استشهاد الحسين - رمزا للبكاء على الشهيد، وكان البكاء عليه مظهرا من
مظاهر الإنشداد بطريق الشهادة، ثم انتقلت هذه المكانة إلى الحسين بعد موقعة كربلاء .
[52]
فلسفة البكاء على الشهيد
من الضروري أن نقف - ولو قليلا - عند مسألة "[15]" وهي مسألة لاكتها الألسن بكثير من عدم الفهم، وواجهت كثيرا من الإعتراضات .
تهجم بعضهم بصراحة على هذه الظاهرة مدعيا أنها وليدة نظرة خاطئة إلى مسألة الشهادة
وأنها ذات آثار اجتماعيه سلبية .
أتذكر أني قرأت أيام التلمذة كتابا للكاتب المعروف آنذاك "محمد مسعود" طرح فيه مسألة
البكاء على الحسين بن علي -ع- وقارن ذلك بما دأب عليه المسيحيون بالإحتفال، بل بالإبتهاج في ذكرى استشهاد المسيح !
قال: انظروا إلى أمة تبكي على شهيدها لأنها تحسب الشهادة فشلا وخسرانا وأمرا يبعث
على الحزن والأسف، وأمة أخرى تبتهج بذكرى شهادة شهيدها لأنها تنظر إليها نظرة اعتزاز وافتخار.
[53]
وأمة تبكي ألف عام على استشهاد شهيدها وتتحرق ألما وأسفا عليه لابد أن تكون ضعيفة
مهزوزة مهزومة . لكن أمة تبتهج حين تحيي ذكرى شهادة شهيدها خلال القرون المتمادية لهي أمة قويه مقتدرة مضحية حتما .
هذا الكاتب يريد أن يقول، أن البكاء على الشهيد مظهر ضعف الأمة وانحطاطها، والإبتهاج بذكرى الإستشهاد ينم عن روح قويه مقتدرة . لكن المسألة في رأيي هي عكس ما ذهب اليه الكاتب، فالإبتهاج في ذكرى الإستشهاد يعبر عن "الروح الفرديه " في المسيحية .والبكاء على الشهيد يعبر عن "الروح الإجتماعية" في الإسلام .
لا أريد هنا طبعا أن ابرر أعمال غير من الناس ممن ينظرون إلى الحسين على أنه مجرد شخصية تثير الحزن والأسف والأسى لأنه قتل مظلوما، ولأنه ذهب ضحية أهواء الطاغوت .
لا أريد أن ابرّر أعمال أولئك الذين لا يضعون نصب أعينهم مواقف الحسين البطولية في إحيائهم لذكرى سيد الشهداء، فقد سبق أن انتقدنا هؤلاء حين تحدثنا عن (منشأ القدسية) في الشهيد.
بل أريد أن أوضح فلسفة تعليمات قادتنا الميامين في حقل البكاء على الشهيد .
هذه الفلسفة التي يتفهمها جيدا كل الواعين ممن يشاركون في مجالس عزاء الحسين.
[54]
ما هي طبيعة الموت ؟
ثمة اتجاهات متباينة في نظرتها إلى الموت ..
- فاتجاه يرى أن علاقة الإنسان بالعالم، وعلاقة الروح بالجسد هي نوع من العلاقة التي
تربط السجين بالسجن، وغريق البئر بالبئر، والطير بالقفص .
والموت في رأي هذا الإتجاه الفكري خلاص وحرية، والإنتحار بموجبه مشروع .
وتنسب إلى ( ماني ) المعروف هذه النظرية، وبموجبها يكتسب الموت صفة ايجابية مطلوبة، إذ أنه نجاة من سجن وخروج من بئر وتحرر من قفص . وليس فيه ما يدعو إلى الأسف بل إلى الإبتهاج.
- واتجاه ثان يرى أن الموت عدم وفناء، خلافا للحياة التي هي وجود وبقاء.. والإنسان
يميل غريزيا وبالبداهة إلى ترجيح الوجود على الفناء، ولذلك فهو يفضل الحياة - بأية
صورة كانت - على الموت، يتحدث (المولوي) عن (جالينوس) الطبيب الأسكندراني المعروف أنه قال: إني أفضل أن أبقى حيا حتى ولو قدر أن أعيش في بطن بغلة ورأسي خارجها . هذا الإتجاه ينظر إلى الموت نظرة سلبية تماما .
- والإتجاه الآخر يرفض أن يكون الموت إبادة وفناء .. ويرى انه انتقال من عالم إلى آخر،
ويرفض أن تكون علاقة الإنسان بالعالم ،
[55]
وعلاقة الروح بالجسد من نوع علاقة السجين
بالسجن، أو الغريق بالبئر أو الطير بالقفص، ويذهب إلى أنها كعلاقة الطالب بالمدرسة
وعلاقة الفلاح بالمزرعة .
الطالب يعاني في دراسته مصاعب متعددة كابتعادة عن الأهل والأحبة وعن الوطن أحيانا ،
وكتقيده بجدران الصف والمدرسة ..
لكن الطريق الوحيد لسعادة هذا الطالب في المجتمع ينحصر في إنهاء دراسته بنجاح .
والمزارع يتحمل في حقله أنواع الأتعاب، ويعاني من ابتعاده عن أهله وأطفاله . لكن عمله
في المزرعة هو الذي يوفر له وسيلة حياة مرضيه في كنف عائلته طول أيام السنة .
وكيف يستقبل الموت أصحاب هذا الإتجاه الأخير ؟
هؤلاء يخافون من الموت وينفرون منه إن كانوا قد أضاعوا عمرهم، وأتلفوا حياتهم، وارتكبوا المعاصي والآثام .. لكنهم يستقبلون الموت ببشر وسرور، ويترقبونه بفارغ الصبر إن كانوا قد أدوا ما عليهم من مسؤولية في الحياة، ونجحوا في اجتياز المرحلة الدنيويه، شأنهم في ذلك شأن الطالب الذي جد واجتهد بنجاح في دراسته ويود بلهفة أن يعود إلى وطنه وإلى أحضان أهله وأحبائه . وكالمزارع الذي بذل غاية جهده في عمله ، ويأمل بشوق شديد أن ينتهي من عمله، ويأخذ ما جنته يداه إلى بيته .
هذا الطالب يصارع رغبته في العودة إلى وطنه قبل انتهاء دراسته،
[ 56]
ويأبى على نفسه أن يترك دراسته ناقصة . وهكذا المزارع لا يضحي بعمله وواجبه من أجل تحقيق أمله .
شأن أولياء الله شأن هذا الطالب .. ينظرون بعين الشوق والأمل إلى الموت باعتباره نقلة
إلى العالم الآخر، وهذا الأمل يعتمل في نفوسهم، فلا يقر لهم قرار .. يقول علي -ع-:
"ولولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب " الخطبة 193
ومع هذا .. فأولياء الله لايلقون بأنفسهم نحو الموت، إذ يرون العمر فرصة وحيدة للعمل
والتكامل ، ويعلمون انهم يستطيعون اجتياز مراحل أسمى على سلم التكامل إن استمروا
على قيد الحياة .. فيطلبون من الله أن يطيل أعمارهم .
ومن هنا فلا تعارض بين شوق المؤمنين إلى الموت وطلبهم طول العمر .
القرآن الكريم يخاطب اليهود الذين زعموا أنهم (أولياء الله ) قائلا: فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}(الجمعة6). ثم يقول: {وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}(الجمعة7).
[ 57]
هؤلاء هم من النوع الذي أشرنا إليه آنفا في القسم الثالث من وجهات النظر إلى الموت.
أولياء الله يعرضون عن طلب طول العمر في موضعين:
الأول - حين يشعرون بعدم قدرتهم على إحراز مزيد من النجاح في حياتهم، بل يحسون
بتناقض بدلا من التكامل .
يقول علي بن الحسين -عليه السلام - في دعائه:
"إلهي وعمرّني ما دام عمري بذلة في طاعتك، فان كان مرتعا للشيطان فاقبضني إليك" .
الثاني - الشهادة، فأولياء الله يطلبون من الله الموت في موضع الشهادة دونما شروط .
لان الشهادة تنطوي على الخاصيتين معا: خاصية العمل، وخاصية التكامل .
والحديث النبوي:
"فوق كل ذي بر بر، حتى يقتل في سبيل الله، وإذا قتل في سبيل الله، فليس فوقه بر"
يؤكد هذه الحقيقة .
ومن هنا الإمام علي يكاد يطير فرحا حين يسمع من النبي أن مصيره الشهادة .
وعلي -عليه السلام - تحدث عن الموت كثيرا ومما قاله في هذا الصدد:
[ 58 ]
"والله ما فجأني من الموت وارد كرهته ولا طالع أنكرته، وما كنت إلا كقارب ورد وطالب وجد " . هذه النظرة إلى الموت بلغت من العمق والرسوخ في نفس (علي ) بحيث رفع
عقيرته حين هوى السيف على مفرق رأسه صبيحة التاسع عشر من رمضان مرددا:
" فزت ورب الكعبة " !!
والحسين بن علي -ع - يروي عن جده رسول الله -ص- انه قال له:
" إن لك منزله عند الله لا تنالها إلا بالشهادة " .
إلى هنا، حللنا مسألة الموت والشهادة في (الإطار الفردي )..
وتبين لنا: أن الموت على مسرح الشهادة فوز للشهيد ما بعده فوز، ويستحق الفرح والإبتهاج في ذكريات استشهاد أئمتنا .
ومن هنا يقول السيد ابن طاووس: لو لم تصل إلينا الأوامر بالتعزية، لأقمنا حفلات الإبتهاج في ذكريات استشهاد أئمتنا .
ومن هنا أيضا، يحق للمسيحيين أن يقيموا حفلات سارة بمناسبة استشهاد المسيح - كما يعتقدون . والإسلام يصرح بأن الشهادة فوز للشهيد لا غير .
التحليل السابق - كما ذكرنا - يقتصر على (الإطار الفردي ) لمسألة
[ 59 ]
الشهادة .. ولهذه المسألة - في نظر الإسلام - إطار آخر هو ( الإطار الإجتماعي ) .
الإطار الإجتماعي للشهادة ينظر إلى المسألة باعتبارها ظاهرة لها جذورها الممتدة في
أعماق المجتمع، ولها آثارها الجسيمة التي ستتركها على الحياة الإجتماعية .
موقف المجتمع من الشهيد ومن حادثة الشهادة لا يرتبط بالشهيد ذاته فقط بما حققه الشهيد
من نجاح فردي، أو بما مني به من فشل فردي فحسب .. بل إن هذا الموقف يرتبط برد الفعل الذي سيبديه المجتمع تجاه الشهيد، وتجاه جبهة الشهيد من جهة، وتجاه الجبهة المعارضة للشهيد من جهة أخرى .
الشهيد يرتبط بمجتمعه عن طريق .
الأول - ارتباطه بأفراد حرموا من وجوده ومن معطياته .
ووقع الشهادة على هؤلاء الأفراد مؤلما محزنا . وان بكي هؤلاء على الشهيد فإنما يبكون في الحقيقة على أنفسهم .
الثاني - ارتباطه بالأفراد الذين ثار الشهيد بوجههم، لما بثوه في المجتمع من إثم وفساد .
أي ارتباطه بالجو الفاسد الذي ناضله الشهيد وسقط صريعا على طريق نضاله .
هذا الإرتباط يلقي على المجتمع أول درس من دروس الشهيد .
هذا الدرس يتلخص في الطلب من أفراد المجتمع بعدم السماح للأجواء الفاسدة أن تظهر في المجتمع..
[ 60 ]
شهادة الشهيد تطرح في إطار هذا الدرس على إنها أمر مؤلم مفجع، لكن هذا الألم يتحول في نفوس الأفراد إلى سخط على الذين ثار الشهيد بوجههم، وعلى الذين قتل الشهيد بأيديهم .. وهذا السخط يحول دون ظهور قتلة جناة في المجتمع .
وهذا الدرس نتلمس آثاره في الذين تربوا في مجالس العزاء الواقعية على الحسين، انهم
يأبون أن يتشبهوا قيد أنمله بقتلة الحسين .
وللشهادة دروس اجتماعية أخرى ..
المجتمعات الإنسانية لا تخلو من أجواء فاسدة تتطلب الشهادة .
وهنا ينبغي دفع مشاعر أفراد المجتمع على طريق الإستشهاد، عن طريق سرد ما قام به
الشهيد من أعمال بطولية عن " وعي " و " انتخاب " .
فعن هذا الطريق ترتفع مشاعر أفراد المجتمع إلى مستوى مشاعر الشهيد، وتنطبع بطابعها
ومن هنا قلنا إن البكاء على الشهيد: اشتراك معه فيما سجله من ملاحم، وتعاطف مع روحه، وانسياق مع نشاطه وتحركه وتياره ..
وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: هل أن مجالس الفرح والرقص والسكر والعربدة - كما هو مشهود في مجالس المسيحيين الدينية - بقادرة على خلق هذه المشاعر الإجتماعية تجاه
الشهيد ؟! أم مجالس البكاء؟
يخطئ من يظن أن البكاء ظاهرة سلبية تنم دائما عن مشاعر الحزن والألم .
[ 61 ]
الضحك والبكاء من خصائص الإنسان .. الحيوانات تشعر باللذة والألم، لكنها لا تعبر عما
تحسه بضحك أو بكاء .
الضحك والبكاء مظهران لا شد حالات إثارة العواطف البشرية.
للضحك أنواع وأقسام لسنا الآن بصدد الحديث عنها، وهكذا البكاء..
والبكاء يرافق عادة نوعا من الرقة والهياج، فدموع الشوق والحب معروفة للجميع .
وفي حالة البكاء وما يصحبه من رقة وهياج يشعر الإنسان بقربه من حبيبه الذي يبكي عليه، أكثر من أي وقت آخر . بل يشعر في تلك الحالة باتحاد مع الحبيب .
الضحك والسرور لهما غالبا طابع (التوغل في الذاتية )، والبكاء له - على الأكثر - طابع (الخروج من أغلال الذاتية )، وطابع نكران الذات، والذوبان في ذات المحبوب .
الضحك بهذا المنظار يشبه (الشهوة ) التي ليست سوى الإنغماس في الذات .. والبكاء يشبه
(الحب) الذي هو خروج من إطار الذات الإمام الحسين بما سجله من مواقف على ساحة الشهادة يملك قلوب مئات الملايين من أبناء البشر .
ولو قدر لعلماء الدين - وهم الأمناء على صيانة هذا الإنشاد بالحسين - أن يستثمروا هذه المشاعر الإنسانية بدفعها على طريق
[ 62 ]
الحسين وبرفعها إلى مستوى آمال الحسين وروح الحسين، لأمكنهم أن يصلحوا العالم بأسره. سر بقاء الحسين يكمن من جهة في البعد العقلي لثورته، وفيما تتميز به من منطق إنساني
سليم . ومن جهة أخرى في جذورها الضاربة في أعماق المشاعر والعواطف .
البكاء على الحسين يصون بقاء هذه الجذور العاطفية في النفوس، ويصونها من الضعف والزوال . ومن هنا نفهم حكمة توصيات أئمتنا في البكاء على الحسين ..
لكن ظاهرة البكاء تبقى دونما عطاء - كما قلنا - إن لم تستثمر على الطريق الصحيح .
[ 63 ]
تربة الشهيد
رسول الله -صلى الله عليه وآله - علم ابنته ذكرا عرف فيما بعد بتسبيحة الزهراء، يكبّر فيه
الذاكر 34مره، ويحمد الله 33 مرة ويسبحه 33مرة .
ومن أجل أن تضبط الصديقة الطاهرة أعداد التكبير والحمد والتسبيح في ذكرها، بادرت إلى أن تعمل لنفسها مسبحة ... وما كان منها إلاّ أن توجهت إلى قبر حمزة بن عبد المطلب لتأخذ منه تربة تعمل منها مسبحتها !
ولهذا الإنتخاب .. انتخاب تربة الشهيد حمزة، مدلوله العميق .
يمكن عمل المسبحة من خشب أو حجارة أو أية تربة أخرى . لكن انتخاب تربة الشهيد يدل
على احترام الشهيد والشهادة، بل يعني تقديس الشهادة .
بعد استشهاد الحسين، أضحت تربة الحسين محطا لأنظار المتبركين بصعيد الشهادة .
[ 64 ]
اتباع مدرسة آل البيت لا يسجدون على المأكول و الملبوس استنادا إلى ما ورد من نهي عن
ذلك .. ويضعون جباههم أمام الله على الصخر أو التراب، لكنهم يفضلون - استنادا إلى تعاليم أئمتهم - أن يمرغوا جباههم أمام ربهم على تربة الشهيد، على تربة الحسين .
السجود يصح على أية تربة، لكن تربة كربلاء معطرة بشذى الشهادة ، وتفوح منها رائحة القرب من الشهيد . والحث على السجود عليها هو حث على تذكر مكانة الشهيد وقيمة الشهادة باستمرار .
[ 65 ]
ليلة الشهيد
لقد اجتمعنا هذه الليلة لنحيي ذكرى ليلة العاشر من محرم .. وهي ليلة الشهيد .
شاع في عالمنا المعاصر اتخاذ يوم من أيام السنة لتكريم فئة من الفئات ويقترن ذلك اليوم
باسم تلك الفئة كيوم العمال، ويوم المعلم، ويوم الأم ....
لكننا لم نسمع بتخصيص يوم لتكريم الشهيد .. وفي الإطار الاسلامي، تميز يوم العاشر من محرم وحده بأنه يوم الشهيد (حبذا لو اتخذت الشعوب الإسلامية بأجمعها هذا اليوم يوما للشهيد، لتستلهم جميعها من هذه الذكرى ما يعينها على الوقوف بوجه انواع التحديات التي تواجهها "م" )
ها نحن نجتمع في ليلة هذا اليوم الكبير لنعيش منطق الشهادة ..
منطق العشق الإلهي الممزوج بمنطق الإصلاح الإجتماعي .. منطق الإنسان العارف المصلح .. منطق مسلم بن عوسجة، وحبيب بن مظاهر وزهير بن القين وأمثالهم من الشهداء الذين يمثلون منطق الشهادة وشخصية الشهيد خير تمثيل .
[ 66 ]
وسام الحسين
في مثل هذه الليلة اجتمع الحسين بأصحابه ليقلدهم وساما يبين مكانتهم ومنزلتهم، وليميط
اللثام عن صمودهم وإصرارهم على انتخاب طريق الشهادة .
جمع الحسين أصحابه عند قرب الماء- وفي رواية عند قرب المساء - فخطبهم قائلا:
"أثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن
أكرمتنا بالنبوة - وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين ".
ثم قال:
" أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أوفى و لا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل
من أهل بيتي، جزاكم الله عني جميعا .
ألا وأني أظن أن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا، وأني قد
[ 67 ]
أذنت لكم، فانطلقوا جميعا في حل، ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعا خيرا، وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم، فان القوم
إنما يطلبوني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري ...".
تقول الرواية: إن الحسين جمع أصحابه عند قرب الماء، أو عند قرب المساء، فان كانت
(قرب المساء) فتعني قرب أمسية يوم التاسع من محرم . أما إن كانت (قرب الماء) فتعني في الخيمة المخصصة لقرب الماء في معسكر الحسين .
وربما جمع الحسين هؤلاء في هذه الخيمة لأنها أضحت خالية من الماء ... إذ أن أرباب
المقاتل يذكرون أن آخر وجبة من الماء حصل عليها الحسين كانت ليلة العاشر من محرم،
وفي هذه الليلة شرب من كان مع الحسين، ثم قال لأصحابه: إغتسلوا بما بقي من هذا الماء، فإنه آخر حظكم من ماء الدنيا ..
ويبتدئ الحسين - في خطبته - بالثناء على الله تعالى وحمده على كل حال .
عبارات الحمد والشكر تتردد على لسان الحسين دوما، معبرة عن الإرتباط الوثيق بينه وبين الله تعالى .
فقد أجاب الفرزدق حين قال له: قلوب الناس معك وسيوفهم عليك:
[ 68 ]
"إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته " (الكامل 3/276 و الطبري 4/ 290)
[ 69 ]
منطق أصحاب الحسين
قال له اخوته، وأبناؤه، وبنو أخيه، وأبناء عبدالله بن جعفر:
ولم نفعل؟لنبقي بعدك .. ؟! لا أرانا الله ذلك أبدا "
وقال مسلم بن عوسجة:
"أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك؟أما والله لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك ".
وقال سعد بن عبدالله الحنفي:
"والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله -ص- فيك، والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذر، يفعل بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقي حمامي
دونك . فكيف لا أفعل ذلك، وإنما هي قتلة واحدة " .
[ 70 ]
وقال زهير بن القين:
"والله لوددت أني قتلت، ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتله، ثم نشرت ثم قتلت
حتى أقتل كذا قتلة، وإن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك " (الطبري 4/317، 318) . عند ذلك أخبرهم الحسين باستشهادهم يوم غد..
فهللوا وكبروا وحمدوا الله على ما أنعم عليهم .. هذا هو منطق الشهيد ..
لو لم يكن منطق أصحاب الحسين منطق شهادة لآثروا ترك الحسين ..
لأن الحسين سيقتل غدا لا محالة .. فما فائدة بقائهم مع الحسين ؟!
والحسين نفسه .. سمح لهم بالمغادرة .. ولم يصر عليهم بذلك لو كان منطق الحسين
غير منطق الشهادة، لأفتى بحرمة بقائهم، لان بقائهم يعرضهم لخطر الموت والتهلكة .
لكن الشهداء أبوا المغادرة، والحسين أبى أن يصر عليهم .. بل سر واستبشر بموافقتهم ،
لأن منطق الحسين وأهل بيته وأصحابه منطق الشهيد، وهذا المنطق يرى أن المجتمع الميت بحاجة إلى دم يحرك كيانه المشلول .
الشهادة لا تستهدف التغلب على العدو وحسب .. بل تستهدف تسجيل المواقف البطولية
وتدوين الملاحم الإنسانية .
[ 71 ]
وهكذا كان ..
لقد بقيت ملحمة كربلاء وستبقى مشعلا يضيئ الطريق أمام الأجيال .. وصرخة بوجه الظالمين في كل زمان ومكان .. وهزة تنبعث في جسد الأمة متى ما اعترى هذا الجسد
خمود وركود .
:B:
محاضرة القيت ليلة العاشر من محرم سنة 1393هجرية ..
شهيد يتحدث عن الشهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}(آل عمران/169).
صدق الله العلي العظيم
[13]
كلمة لابد منها ....
الحديث عن الشهادة والشهيد لا يمكن أن يصاغ بعبارات علميه ولا بمعادلات رياضيّة... إذ
انه حديث (الروح) لا حديث (العقل) ..
التحليلات الفلسفية والعلمية والعقلية لا تستطيع أن تخلق الإنسان المجاهد، ولا بمقدورها أن تبعث في الموجود البشري اندفاعا نحو الإستشهاد ..
الشهيد إنسان ارتفعت روحه إلى مستوى الشهادة ..وتحررت روحه من قيود الشهوات الهابطة، فأضحى منطقه منطقا جديدا قد لا يفهمه (العلماء) و (الفلاسفة) و (عقلاء القوم)!
حديث الشهيد والشهادة لا يفهمه إلاّ من يسير على خط الشهادة، ولا يتذوقه إلاّ من سما
وتحرر من ربقة البطن والفرج والأهواء الدنيئة .
[14]
وحديث الشهيد والشهادة .. أيضا، لا يمكن أن يكون صادقا معبرا إلا إذا انطلق من قلب إنسان
وهب نفسه لرسالته، وكسر إطار ذاتياته لينصهر في هدفه السامي .
وهذا الحديث يحلو ويصدق ويتعمق أكثر .. لو صدر عن قلب إنسان وهب نفسه لهدفه السامي حتى آخر لحظه من حياته .
يحلو ويصدق ويتعمق أكثر فأكثر . إذا صدر عن قلب إنسان سقط مضرجا بدمه على طريق رسالته الكبرى ..
وهذا الذي بين يدي القارئ، ترجمه لحديث عن الشهيد والشهادة .
ألقي في( ليلة الشهيد والشهادة) وصدر عن قلب إنسان قضى حياته على طريق الشهادة .. أي على طريق الذوبان في الهدف السامي، والتفاني من أجل تحقيق هذا الهدف .
هذا الحديث ألقاه الأستاذ مرتضى مطهري شهيد الثورة الإسلامية في إيران ..
وهو _ كما قلت _ حديث الروح قبل أن يكون حديث العقل ..
وحديث الروح هذا أقدمه إلى الذين يستطيعون أن يتذوقوه .. وإلى الذين يستطيعون من
خلال سطوره أن يستشموا رائحة الشهادة التي فاحت في سماء إيران فأسفرت عن
ولادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
المعرب
[15]
قدسية الشهيد
ثمة كلمات لها في عرف البشرية عامه، وفي عرف المسلمين خاصة قدسيه وعظمة واحترام .
العالم، والفيلسوف، والمخترع ، والبطل، والمصلح، والمجتهد، والإستاذ، والطالب
والعابد، والزاهد، والمؤمن، والمجاهد، والمهاجر، والصدّيق، والآمر بالمعروف ،
والولّي، والإمام، والنبيّ ... كلمات، بعضها مقرون بالعظمة والإحترام لدن أبناء البشر
عامه .. وبعضها الآخر تحمل هذه الصفة عند المسلمين خاصة .
ومن الطبيعي أن اللفظ لا يحمل طابع القداسة بنفسه، بل بما ينطوي عليه من معنى ..
جميع المجتمعات البشريه تنظر بعين التقديس إلى بعض المفاهيم مع اختلاف طفيف بينهما. وهذا التقديس يرتبط بجوانب خاصة من نفسيه هذه المجتمعات في حقل تقييمها للأمور غير المادية.
[16]
وهذه المسألة تحتاج إلى دراسة فلسفيه وإنسانية معمقه لسنا بصددها الآن.
و"الشهيد" كلمه لها في الإطار الإسلامي قداسة خاصة ..
والإنسان الذي يعيش المفاهيم الإسلامية ينظر إلى هذه الكلمة وكأنها مؤطرة بهالة من نور .
كلمة الشهيد مقرونة بالقداسة والعظمة في جميع اعراف المجموعات البشرية مع اختلاف بينهما في الموازين والمقاييس، ولسنا بصدد الحديث عن المفهوم غير الإسلامي لهذه الكلمة.
الشهيد _ في المعايير الإسلامية_ هو الذي نال درجة "الشهادة" أي الذي بذل نفسه، على طريق الأهداف الإسلامية السامية، ومن أجل تحقيق القيم الإنسانية الواقعية .
والإنسان الشهيد في المفهوم الإسلامي يبلغ -بشهادته- أسمى درجة يمكن أن يصلها الإنسان
في مسيرته التكاملية.
نستطيع أن نفهم سبب قدسية كلمة "الشهيد" في الإسلام وفي أنظار المسلمين من خلال
الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الشهادة والشهيد وكذلك من خلال ما وصلنا من
روايات في هذا الحقل ..
[17]
مكانة الشهيد:
القرآن الكريم يقول عن الشهيد:
"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون"
(آل عمران 169)
فالشهداء -إذن- "أحياء" و"عند ربهم " يرزقون ... وما أعظمها من منزله!!
والسنة تكثر من تشبيه المكانة السامية التي يمكن أن ينالها إنسان في حياته بمكانة الشهيد ..
لأنها ذروة الرقي والتكامل في المسيرة الإنسانية ..
فالسائرون على طريق طلب العلم، من أجل التعرف على الحقيقة، وطلبا لمرضاة الله تعالى، لا بهدف الترفع والاتجار، هم شهداء في
[18]
مفهوم الروايات الإسلاميه إن توفّاهم الله على هذا الطريق.
وهذا التشبيه يدل على علو مكانة طالب العلم إضافة لما له من دلالة على أن الشهادة هي الذروة في مسيرة الإنسان التكاملية .
ونظير هذا التشبيه ورد بشأن الساعي على طريق إدارة دفة اقتصاد عائلته، وبالتالي على طريق إدارة اقتصاد مجتمعه .. في الحديث:
"الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله" ..
[19]
حق الشهيد
كل أولئك الذين خدموا البشرية بشكل من الأشكال لهم حق على بني الإنسان، سواء أسدوا خدماتهم عن طريق العلم أم الفكر أم الفلسفة و الاختراع والاكتشاف أم الأخلاق والحكمة العملية ...
لكن أحدا من هؤلاء ليس له على البشرية حق كما الشهيد ...
ومن هنا فان ما يكنه أبناء البشر من تعاطف وانشداد تجاه الشهداء يفوق ما يكنوه تجاه سائر
خدمة البشرية.
ولماذا هذا التفوق ؟
الدليل واضح .. كل المجموعات التي أسدت خدمات إلى البشرية مدينة للشهداء .. لكن الشهداء قلما كانوا مدينين لهذه المجموعات.
العالم في علمه .. والفيلسوف في فلسفته .. والمخترع في اختراعه .. ومعلم الأخلاق في تعاليمه، محتاجون إلى أجواء حرة مساعدة كي يقدموا خدماتهم ..
[20]
والشهيد بتضحياته يوفر هذه الأجواء ..
الشهيد كالشمعة التي تحترق وتفنى لتضئ الطريق للآخرين ..
الشهداء شموع البشرية على طريقها اللاحب الطويل ..
ولولا هذه الشموع لما استطاعت المسيرة البشرية أن تواصل طريقها، ولما استطاع أبناء البشر في ظلمات الاستعباد والاستبداد أن يمارسوا نشاطاتهم ويقدموا خدماتهم الإنسانية.
والله سبحانه يخاطب نبيه الكريم قائلا:
"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا "
(الأحزاب 44-45)
و(السراج المنير) مفهوم يدل على الإضاءة، وينطوي على معنى الاحتراق وإزالة دياجير الظلام .
[21]
جسد الشهيد
أحكام الإسلام تقوم كلها على أساس الحكمة والمصلحة، وجميعها
لها دلالاتها الخاصة، وخاصة دلالاتها الإجتماعية.
ومن هذه الأحكام ما يتعلق بالميت من غسل وتكفين وصلاة ودفن . وكلها ذات معان خاصة لسنا بصدد الحديث عنها ..
إلاّ أن أحكام الميت هذه، لها استثناء .. وهذا الإستثناء يختص بجسد الشهيد .
فأحكام الميت لا تطبق على جسد الشهيد سوى الصلاة والدفن .
أما الغسل والتكفين .. فلا .
الشهيد يدفن بدمه وملابسه ..
وهذا الإستثناء له مغزاه العميق، انه يرمز إلى أن روح الشهيد بلغت درجة
من السمو والطهارة بحيث ترك هذا السمو والطهر آثاره على
[22]
جسد الشهيد وعلى دمه، بل وحتى على ما يرتديه من لباس .
بدن الشهيد "جسد متروح " إن صح التعبير، أي أضحى
وجودا تجري عليه أحكام الروح ..
ولباسه أضحى .. "لباسا متجسدا" أي تجري عليه أحكام
الجسد الذي يضم تلك الروح الطاهرة .
فجسد الشهيد ولباسه اكتسبا الشرف من طهر روحه وعلو فكره وسمو تضحيته ..
وتلك دلالة أخرى على قداسة الشهيد في المفهوم الإسلامي ..
[23]
منشأ القدسية
ما هو مبعث القدسية في "الشهادة" ؟!
من الواضح أن هذه القدسية لا تأتي من كونها مقرونة بالقتل .
فكثير من القتل لا تعدو أن تكون هلاك إنسان، وربما اقترنت
أحيانا بالعار بدلا من الفخار .
لنوضح هذه المسألة أكثر ..
موت الأشخاص ذو أنواع وأقسام .
1- الموت الطبيعي، الإنسان يموت بشكل طبيعي بعد أن يقضي
عمره الطبيعي، ومثل هذا الموت لا ينطوي على عار ولا فخار ..
ولا يستتبعه عادة أسف عميق .
2- الموت الإخترامي (اخترمه:أهلكه واستاصله) وهو ما يحدث على أثر انتشار،
[24]
الأمراض الفتّاكة والأوبئة أو وقوع الزلازل والسيول ونظائرها من
السوانح الطبيعية ..
هذا النوع من الموت لا يتضمن عارا ولا فخارا أيضا.. لكنه
يقترن بالأسف عادة لأنه يودي إلى إتلاف الأفراد .
3- الموت المصحوب بعمل جنائي، حيث المقتول برئ، والقاتل
ينقض على فريسته ارضاءا لهواه وقضاء على من يتصور أنه يزاحمه
في مصالحه الشخصية.
مثل أنواع هذا القتل نقرا أخبارها باسمرار على أعمدة الصحف
و في صفحات التاريخ..
فهذا رجل قتل صاحبه لمنافسة بينهما على مال أو متاع .
وهذه إمرأه قتلت طفل زوجها كي تستأثر وحدها بحب الزوج .وذاك الوالي أعمل السيف في
رقاب أبناء وال آخر تجنبا لمنافستهم إياه في المستقبل .
وعلى مسرح مثل هذه الحوادث جانبان .. جانب يقف فيه القاتل ويداه ملطختان بدم الجناية، ويداه ملطختان بدم الجناية، وعيناه يتطاير منهما الخبث والشرر ومنظره يثير النفرة
والإحتقار .. وجانب آخر يظهر فيه المقتول صريعا مظلوما، مهدور الدم، يثير تجاهه
عواطف الأسف والترحم . ومن الواضح، أن هذا النوع من الموت _ مع ما يتضمنه من أسف وترحم على القتيل _ لا يقترن بالإعجاب والإفتخار، لأن المقتول لم
[25]
يكن له دور في العملية، بل إن عوامل الحسد والعداء والحقارة هي التي أردت هذا الإنسان قتيلا.
4_ الموت الجنائي، وهو ما يحدث على أثر جناية يرتكبها القتيل كالإنتحار، وهو أحط أنواع الموت . وأولئك الذين يقتلون في حوادث اصطدام السيارة نتيجة ارتكابهم خطأ عمديا
وكل الذين يلاقون حتفهم على طريق الإنحرافات يموتون بهذا النوع الجنائي .
5_ الإستشهاد، وهو الموت الذي يتجه نحوه القتيل تحقيقا لهدف مقدس إنساني، أو "في سبيل الله "، على حد التعبير القرآني، مع ما يحتمله أو يظنه أو يعلمه من أخطار في طريقه .
وللشهادة ركنان:
الأول: قدسية الهدف، والموت على طريق تحقيق هذا الهدف المقدس، أي أن يكون "في سبيل الله".
الثاني: أن تكون الشهادة قد تمت عن علم ووعي .
وللشهادة وجهان:
وجه مقدس في انتسابها للمقتول .. ووجهه بشع إجرامي في انتسابها للقاتل .
الشهادة _ بما تحمله من صفات سامية كالوعي والإختيار وقدسية الهدف وخلوها من الميول الذاتية _ عمل بطولي يبعث على الإعجاب والإفتخار .
هذا النوع من (الموت) هو وحده الذي يفوق (الحياة) عظمة وقدسية وأهمية .
وهنا ينبغي أن نشير إلى ظاهرة مؤسفة تطغي على مجالس ذكر الحسين بن علي _عليه السلام _ هذه المجالس تضفي على مقتل الحسين طابع النوع الثالث من الموت، أي موت الإنسان البريء الذي ذهب دمه هدرا، مع أن هذه المجالس تذكر الحسين على أنه "شهيد" بل " سيد الشهداء " .
كثير من الموالين لآل البيت يذرفون الدموع على مظلومية سيد الشهداء، وكأنهم يبكون على طفل برئ ذهب ضحية أهواء طاغية من الطغاة (هذه الظاهره السلبيه التي يذكرها المؤلف الشهيد، هي إنعكاس طبيعي لما يسود المجتمع الإيراني من روح هابطه . أما حين سمت هذه الروح وتكاملت أبان أحداث الثورة الإسلامية، وبلغت مستوى فهم الشهادة والشهيد فقد تغير وجه أكثر المجالس الحسينيه بشكل واضح، وزالت منها تقريبا هذه الظاهرة السلبيه التي يذكرها المؤلف ).
لو كان الحسين كذلك .. لو كان مظلوما عديم الدور في حادث مقتله، كسائر المقتولين ظلما وعدوانا .. لما كان شهيدا، فما بالك بكونه سيد الشهداء !!
ليس من الصحيح أن نحصر الحسين في إطار الإنسان الذي ذهب ضحية أهواء الطواغيت .
[27]
نعم، الوجه الآخر لفاجعة كربلاء تمثل بشاعة القاتلين وإجرامهم واستفحال أهوائهم الدنيئة .
لكن الوجه الآخر الذي يرتبط بالحسين هو الشهادة .. أي المقاومة الواعية الذكية على طريق
الهدف المقدس . فمع علم الحسين بالمصير الذي سيواجهه نتيجة مواقفه المتصلبة رفض البيعة مع الطغاة رفضا باتا .. وأبى السكوت وأعتبر المداهنة معصية ما بعدها معصية .
تاريخ الحسين وما سجله في التاريخ من كلمة وعمل، أوضح دليل على ما نقول.
الشهادة تكسب _ إذن_ قداستها من صفتها التضحوية الواعية على طريق الهدف المقدس.
[28]
الجهاد، أو مسؤولية الشهيد
العملية التي تؤدي إلى الشهادة أي إلى الموت الواعي على طريق الهدف المقدس، قد اتخذت في الإطار الإسلامي شكل مبدأ هو "الجهاد".
ولو أردنا أن نوضح هذا المبدأ، فثمة أسئلة متعددة تطرح نفسها على بساط البحث منها:
هل أن ماهية هذا المبدأ دفاعية أو هجومية؟وإن كانت دفاعية، فهل ينحصر في إطار الدفاع عن الحقوق الشخصية والقومية، أم يتسع نطاقه ليشمل الحقوق الإنسانية، كالحرية
والعدالة ..؟
وهل التوحيد جزء من الحقوق البشرية والإنسانية أم لا؟
وهل مبدأ الجهاد يتنافى أساسا مع حق الحرية أم لا؟
الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب الخوض في بحوث وتفصيلات شيقة مفيدة لا مجال لها في
حديثنا هذا .. فنكتفي بالقول:
[1529]
إن الإسلام ليس بالدين الذي يدعوا الفرد إلى إدارة خده الأيسر
إن صفع على خده الأيمن، وليس بالدين الذي يقول: ما لله لله، وما لقيصر لقيصر ..
وليس بدين يفتقد الهدف ويعدم خط الدفاع والدعوة .
آيات عديدة في القرآن الكريم تذكر ثلاث مصطلحات مقرونه مع بعضها هي:
(الإيمان ) و (الهجرة) و (الشهادة) ..
إنسان القرآن موجود مرتبط بالإيمان ومتحرر من كل شيئ آخر، وهو الموجود الذي يهاجر لينقذ إيمانه، ويجاهد لإنقاذ إيمان المجتمع، أو بعبارة أخرى، لانقاذ المجتمع من براثن الكفر والشرك.
يطول بنا الحديث لو استعرضنا الآيات والروايات الواردة في هذا الحقل . لذلك نكتفي بالقاء الضوء على جمل معدودات من إحدى خطب أمير المؤمنين في نهج البلاغة:
(أما بعد فان الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقه، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء، ودُيّت (ديث: مبني للمجهول من ديثة، أي:ذللة) بالصغار والقماءة (الصغار والذل) ،
[30]
وضرب على قلبه بالاسداد (الأسداد جمع سد، أي الحجب)، واديل الحق منه (أي صارت الدولة للحق بدله) بتضييع الجهاد، وسيم الخسف(الذل والمشقه)، ومنع النصف(العدل) )
فالجهاد، باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصة أوليائه .. نعم لخاصة أوليائة ..وهي كلمة لها مدلولها العميق ..
باب الجهاد غير مفتوحه بوجه الجميع .. لأن وسام المجاهد لا يتقلده إلا من كان لائقا
لذلك .. وأولياء الله غير لائقين بأجمعهم لتقلد هذا الوسام، بل .. خاصة أولياء الله.
ورد في القرآن: أن للجنة ثمانية أبواب .
فلم هذه الأبواب الثمانية؟!
أللتخفيف من شدة الإزدحام؟
غير معقول! لأن العالم الآخر ليس بعالم تزاحم . والله قادر على أن يدخل جميع عباده الجنة دونما تأخير أو انتظار كقدرته على محاسبتهم السريعة "والله سريع الحساب".
هل الهدف من تعدد الأبواب تقسيم الناس إلى طبقات بحسب مكانتهم أو مشاغلهم الدنيوية؟!
[31]
كلا .. هذا غير ممكن أيضا، فليس ثم معيار سوى التقوى .
تعدد الأبواب ليس له مفهوم سوى تعدد الدرجات، لا الطبقات .
للإيمان والعمل والتقوى مراتب ودرجات، ولكل درجته ومنزلته في مدارج الإيمان
والعمل والتقوى، بمقدار ما طوى من المراحل التكاملية لهذه المدارج في الحياة الدنيا .
ولكل فئة طوت مرحلة معينة من مراحل تكاملها باب تدخل منها الجنة في الحياة الأخرى حسب درجتها ومنزلتها، أي حسب ما طوته من أشواط على طريق إيمانها وعملها وتقواها في هذه الحياة .. فذاك العالم تجسد ملكوتي لهذا العالم .
الباب التي يدخل منها المجاهدون _إذن_ هي الباب المفتوحة لخاصة أولياء الله، يلجون منها لينالوا فوز القرب الإلهي .
والإمام يصف الجهاد بعد ذلك بأنه لباس التقوى ..
والتقوى يعني "الطهر الحقيقي".
الطهر الحقيقي من كل الآثام .
من المعلوم أن جذور الآثام الروحية والخلقية هي الكبر والغرور والأنانية . ومن هنا فإن المجاهد الواقعي اتقى الأتقياء .
فرب متق طهر من الحسد، وآخر من الكبر، وآخر من الحرص، وآخر من البخل ..
لكن المجاهد أطهر الطاهرين، لأنه ضحى بكل
[32]
وجوده، ولذلك اختص بباب من أبواب الجنة لا ينالها سائر الطاهرين .
مفهوم "درجات التقوى" يوضحه القرآن بجلاء في الآية الكريمة:
{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(المائدة/93).
هذه الآية توضح مفهومين رائعين من المفاهيم القرآنية .
الأول: فلسفة الحياة وحقوق الإنسان .
فالآية تقول: النعم خلقت للإنسان . والإنسان خلق للإيمان والعمل والتقوى .
والإنسان يستطيع أن يتمتع بالنعم الإلهية إذا كان ملتزما بالحركة على الخط التكاملي ،
أي على خط الإيمان والتقوى والعمل الصالح.
الثاني: درجات الإيمان والتقوى، وعلماء الإسلام _انطلاقا من هذه الآية وغيرها من النصوص _ قسموا مراتب التقوى إلى:
العامّة، الخاصّة، وخاصّة الخاصّة .
وتقوى المجاهدين تقوى التضحية والفداء .والشهداء قدموا كل ما يملكون مخلصين إلى الله تعالى، واختاروا لأنفسهم هذا (اللباس ) من ألبسة التقوى .
ثم يصف الإمام الجهاد أنه "درع الله الحصينة وجنته الوثيقة" .
[33]
لو تربت أمة مسلمة على روح الجهاد، وتسلحت بهذا الدرع الإلهي، فلن تنثني أمام
أعتى الضربات .
والدرع، لباس من حلقات حديدية يرتديه المقاتل كي يبطل مفعول الضربة على الجسم ..
والجنة (الجنة والمجن والمجنة: كل ما وقي من السلاح) تحول دون وقوع الضربة على البدن . فالأول عمله المناعة والثاني:الدفاع .
وربما كان الإمام يشير في وصفه هذا إلى نوعين من الجهاد، جهاد وقائي يعطي للأمة مناعة من آثار الضربات المهلكة، وجهاد دفاعي يقف بوجه الضربات .
ثم يستعرض الإمام الآثار السلبية لترك الجهاد، والآثار السلبية التي تتحدث عنها العبارة جماعية لا فرديه، أي ترتبط بالمجتمع لا بالفرد .
هذه الآثار السلبية عبارة عن:
أ-الذلة والمسكنة .
ب-الشدائد والمصائب: وهو خلاف ما يمكن أن يتصور في هذا المجال، فرب أمة تترك الجهاد طلبا لرغد العيش .. لكن الشدائد والمصائب تتولى على مثل هذه الأمة.
ج-الاحساس بالحقارة النفسية .
[34]
د-فقدان البصيرة والرؤية الصحيحة، وهذه مسألة تلفت النظر كثيرا .
علي (عليه السلام ) يجعل الجهاد طريق لتفتح البصيرة وللرؤية الواضحة الصحيحة .
النصوص الإسلامية التي تؤكد على أن البصيرة وليدة العمل صريحة وكثيرة .. لكن هذا
النص أكثر صراحة، وذهب إلى أكثر مما ذهبت إليه النصوص الأخرى حيث اعتبر ترك
الجهاد يؤدي إلى إسدال الحجب على القلب أو على الفهم الصحيح والرؤية الواضحة للأمور.
ه- فقدان مركز القيادة، فالأمة التي تترك الجهاد لن تعود قادرة على حمل راية الإسلام والدعوة إلى الحق .
و- الحرمان من إنصاف الآخرين، فالأمة ذات اعتبار ومكانة واحترام مادامت مجاهدة، وإن افتقدت روحها الجهادية فقدت شخصيتها ومكانتها فلا يراعى لها حق، ولا تعامل بإنصاف .
قال الرسول الكريم:
الخير كله في السيف وتحت ظل السيف .
وقال أيضا:
إن الله أعز أمتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها .
وهذا يعني أن القدرة والقوة لا تنفصلان عن الأمة الإسلامية، والإسلام دين القوة والقدرة
ومدرسة تخريج المجاهدين .
[35]
يقول ويل ديورانت في "تاريخ الحضارة": ليس كالإسلام دين في حث اتباعه على التزود
بالقوة والمقدرة .
وحديث آخر عميق المغزى، روي عن النبي -ص-يقول:
"من لم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق".
فالإنسان المسلم أما أن يعيش حياة الجهاد عمليا أو على مستوى الأمل على الأقل.
وبهذا المعيار يعرف صدق الإنسان وإخلاصه في إسلامه .
وروي أنه سئل النبي -ص-
-ما بال الشهيد لا يفتن في قبره ؟
أجاب: كفى بالبارقة فوق رأسه فتنه.
فالشهيد قد اجتاز امتحانه تحت السيوف التي كانت مشهورة بوجهه، أي أنه اثبت إخلاصه وصدقه وبين حقيقة حين اختار الشهادة، فليس من اللازم أن يؤدي امتحانا آخر في عالم البرزخ.
[36]
اندفاع نحو الشهادة
الإندفاع نحو الشهادة ظاهره نلمسها بوضوح في جمرة غفيرة من مسلمي صدر الإسلام.
وحين يتطلع الإنسان إلى هذه الظاهرة يحس أن في أعماق هذه الفئة المؤمنة شوقا ولهفة إلى الشهادة..
هذا علي -عليه السلام- يقول:
(أنه لما أنزل الله سبحانه، قوله: "أفحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " علمت أن الفتنه لا تنزل بنا ورسول الله - صلى الله عليه وآله - بين أظهرنا .
فقلت: يا رسول الله، ما هذه الفتنه التي أخبرك الله تعالى بها ؟
فقال: "يا علي، إن أمتي سيفتنون من بعدي .
فقلت: يا رسول الله أو ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من أستشهد من المسلمين .
وحيزت عني الشهادة، فشق ذلك علي . فقلت لي " أبشر فان الشهادة من ورائك "؟
فقال لي: "إن ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذن ؟
فقلت: يا رسول الله، ليس هذا من مواطن الصبر . ولكن من مواطن البشرى والشكر"!!
ويقول علي أيضا:
"إن أكرم الموت القتل!والذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف أهون علي
من ميتة على الفراش في غير طاعة الله ".
هذا الإندفاع لم يكن مقصورا على عليّ وأمثال علي، بل إن عامة الناس كانوا يأتون إلى الرسول يطلبون منه أن يدعو الله لهم بالشهادة (تكررت هذه الظاهرة في إيران أبان الثورة الإسلامية، فاندفعت الملايين تطلب الموت، فوهب الله لها الحياة . والإمام القائد ذكر مرارا ان الأفراد ياتون اليه باستمرار يطلبون منه ان يدعو الله لهم أن يرزقهم الشهادة !!.)
هذا "خثيمة" واحد من سائر الناس يتنازع مع ابنه ليسبقه في الإستشهاد .
الأب يصر على الإبن أن يبقى في البيت ليذهب هو للجهاد .
والإبن يصر على الأب كذلك بالبقاء في البيت ليذهب هو .. فيقترعان .. فتقع القرعة على الإبن، فيذهب، ويستشهد .
ثم يرى الأب ولده في عالم الرؤيا يقول له:
[38]
يا أبت، انه قد وعدني ربي حقا !!
تصاعد شوق الإستشهاد في نفس الرجل العجوز فهرع إلى النبي يقول له:
لقد وهن عظمي وخارت قواي، لكني اشتاق إلى الشهادة، فاسأل الله أن يرزقني إياها ..
فدعا له رسول الله، ولم يمر عام حتى نال الرجل ما تمناه .. فقد سقط في معركة أحد مضمّخا بدم الشهادة !
و"عمر بن الجموح" .. كان قد أصيب في إحدى رجليه وسقط عنه حكم الجهاد إذ (ليس على
الأعرج حرج" ..
وحانت معركة أحد فتجهز أولاد هذا الرجل للمعركة، وهم هو أيضا أن يشارك مع أبنائه..
نصحه أولاده فلم يستجيب لهم، اجتمع أهله وأقاربه ينصحونه بالبقاء فأبى أن يصغي لهم
.. وذهب إلى الرسول شاكيا يقول: أبنائي يمنعوني أن أفوز بالشهادة .
فأجازه رسول الله أن يشارك في المعركة، وطلب من أبنائه أن يدعوه يحقق أمنيته في الإستشهاد . فخاض المعركة واستشهد .
وعندما بلغ خبر فشل المسلمين في أحد إلى المدينة سارع من كان في المدينة إلى جبل أحد ،
وبينهم امرأة عمر بن الجموح ..
عثرت هذه المرأة على جسد زوجها وإبنها وأخيها، فوضعت
[39]
الأجساد على ظهر بعير، وقفلت راجعة إلى المدينة لتدفن قتلاها في البقيع .. لكنها الفت البعير يأبى الإتجاه نحو المدينة، ولا يتحرك إليها إلاّ بمشقة . فالتقت بنسوة قادمات من المدينة نحو أحد بينهن عائشة زوج الرسول .
سألتها عائشة: من أي مكان تأتين ؟
أجابت:من أحد .
قالت عائشة: فما هذا الذي على ظهر البعير ؟
أجابت ببرود تام: أجسام زوجي وإبني وأخي، اذهب بهم إلى المدينة لأدفنهم هناك .
ثم سألتها عمّا وراءها .
أجابت المرأة: خيرا .. النبي سالم والحمد لله، ورد الله الذين كفروا بغيظهم .
ثم قالت المرأة لعائشة: إن هذا البعير يأبى العودة إلى المدينة وكأنه يروم الذهاب إلى أحد .
قالت عائشة: لننطلق معا إلى النبي في أحد، ثم قصت المرأة على النبي ما كان من شأن البعير . فسألها رسول الله عما قاله زوجها حين غادر المنزل، قالت: رفع يده إلى السماء
وسأل الله تعالى أن لا يعيده إلى بيته .
[40]
فأخبرها النبي باستجابة دعوة زوجها، وأمر بدفنه مع سائر الشهداء في أحد .
روح الاندفاع نحو الشهادة تجسدت في كل أئمة آل البيت وأتباعهم، وهذه الروح تطفح
في أدعيتهم التي خلفوها لنا ومنها:
اللهم برحمتك في الصالحين فأدخلنا، وفي عليين فارفعنا .. وقتلا في سبيلك مع وليك فوفق لنا.
والحسين بن علي -عليه السلام - يردد وهو يسير نحو كربلاء هذه الأبيات:
فان تكن الدنيا تعد نفيسة فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وان تكن الاموال للترك جمعها فما بال متروك به المرء يبخل
وان تكن الأبدان للموت انشأت فقتل امرئ بالسيف في الله أجمل
[41]
منطق الشهيد
لكل إنسان منطق خاص، وطريقة تفكير خاصة . ولكل معايير ومقاييس يحدد بموجبها
موقفه من المسائل والظواهر المختلفة .
وللشهيد منطق خاص .. انه (منطق الشهيد) الذي لا يمكن قياسه بمنطق الأفراد العاديين . فمنطق الشهيد أسمى .. انه مزيج من منطق المصلح ومنطق العاشق .. منطق المصلح الذي يتضور قلبه ألما لمجتمعه، ومنطق العارف العاشق للقاء ربه.
بعبارة أخرى - لو امتزجت مشاعر عارف عاشق للذات الإلهية بمنطق إنسان مصلح
لنتج عن ذلك "منطق الشهيد".
لا أحسب أني استطعت أن أعطي "منطق الشهيد" حقه من التصوير والتوضيح فلأضرب لذلك مثلا:
حين توجه الحسين بن علي -عليه السلام - نحو الكوفة، اجمع
[42]
عقلاء القوم على منعه من السفر قائلين: إن عزمه على السفر إلى العراق غير منطقي .
وكانوا صادقين فيما يقولون ..لم يكن عزم الإمام ينسجم مع منطقهم ..
مع منطق الإنسان الاعتيادي .. مع منطق الإنسان الذي يدور فكره حول محور مصالحه ومنافعه . لكن الحسين كان له منطق أسمى، كان منطقه منطق الشهيد، ومنطق الشهيد أسمى وأرفع من منطق الأفراد العاديين.
لم يكن "عبدالله بن عباس" و"محمد بن الحنفيه" من عامة الناس، بل كانا سياسيين عالمين، ومنطقهما منطق السياسة والمصلحة، منطق الحنكة والذكاء الذي يدور حول
المصلحة الفردية والانتصار الشخصي على المنافسين .
وذهاب الحسين إلى العراق عمليه خاطئة استنادا إلى هذا المنطق .
وهنا تجدر الإشارة إلى اقتراح ذكي قدمه ابن عباس إلى الحسين ..
لقد اقترح عليه أن يسلك طريقا سياسيا من نوع الطرق التي يسلكها "الأذكياء " ممن يتخذون الناس وسيلة لتحقيق أهدافهم وممن يقفون في المؤخرة دافعين الجماهير نحو مقدمة الجبهة، فان أحرز النصر نالوا ما جنته يد الجماهير، وإن فشلت الجماهير وقفوا على التل سالمين .
قال ابن عباس للحسين:
"يا ابن عم إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا
[43]
الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قوم غدر فلا تقربهم، أقم في هذا البلد، فانك سيد أهل الحجاز، فان كان أهل العراق يريدونك -كما زعموا- فاكتب إليهم، فلينفوا عاملهم وعدوهم، ثم أقدم عليهم " (ابن الأثير ج4 ص16)
فابن عباس يريد أن يضع جماهير العراق في مقدمة الجبهة والحسين في المؤخرة .
يريد أن يقول للحسين:دع أهل العراق يواجهون العدو بأنفسهم فان انتصروا فقد استتب الأمر لك، وان لم يفعلوا كنت في حل منهم، ولن يصيبك مكروه.
لم يعر الحسين أي اهتمام لهذا الاقتراح وأعلن عن عزمه على الذهاب.
فقال له ابن عباس: فان كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك .
أجابه الحسين: يا ابن عم، إني لأعلم أنك ناصح مشفق، وقد أزمعت وأجمعت المسير !!
نعم ..
منطق الشهيد منطق آخر .منطق الشهيد منطق الاشتعال والإضاءة، منطق الانصهار والانحلال في جسم المجتمع من أجل بعث
[44]
الحياة في هذا الجسم وبعث الروح في القيم الإنسانية الميتة .. منطق تسجيل الملاحم ..منطق النظرة البعيدة .. البعيدة جدا .
ومن هنا كانت كلمة "الشهيد" مقدسة عظيمة .
ومن هنا فإننا لا نعطي الشهيد حقه إن وصفناه أنه "مصلح" لأنه فوق المصلحين .أو أنه "بطل" لأنه أعظم من الأبطال .
لا يمكن وصف الشهيد إلا انه "شهيد" وليس بمقدورنا أن نستعمل كلمة أخرى .
[45]
دم الشهيد
الشهيد يقف بوجه العدو، فأما أن يصرعه وأما أن يصرع لكن عمل الشهيد لا ينحصر في هذا الموقف!فلو كان عمله منحصرا بهذا لذهب دمه هدرا حينما يخر صريعا في ساحة المعركة. وهذا مالا يحدث، فدم الشهيد لايذهب هدرا .. دم الشهيد لايراق على الأرض .
كل قطره من دم الشهيد تتحول إلى آلاف القطرات .. بل إلى بحر من الدماء يدخل جسد المجتمع. ومن هنا قال الرسول-صلى الله عليه وآله- ما من قطرة أحب إلى الله من قطرة دم
في سبيل الله . الشهادة تزريق لجسد الأمة بدم جديد . والشهداء يضخون في شرايين المجتمع، وخاصة المجتمع الذي يعاني من فقر الدم، دما جديدا.
[46]
ملحمة الشهيد
الشهيد يسجل بدمه ملحمة يحيي بها روح الحماسة في مجتمع ماتت فيه روح الحماسة وخاصة الحماسة الإلهية .
ولهذا فالإسلام بحاجة دوما إلى شهيد ..
لأنه بحاجة مستمرة إلى حماسة متجددة .. وإلى ولادة متجددة.
[47]
خلود الشهيد
العالم يخدم المجتمع بعلمه، وعن طريق قناة العلم يخرج هذا العالم من فرديته ليرتبط بالمجتمع.
أي، عن طريق العلم تتحد شخصيته الفردية بشخصية المجتمع كما تتحد القطرة بالبحر .
بهذا الإتحاد، يخلد العالم جزءا من شخصيته، أي يخلد فكره وعمله .
والمخترع يتحد بالمجتمع عن طريق اختراعه، ويخلد وجوده عن طريق ما يقدمه للمجتمع من مخترعات .. وهكذا الفنان والشاعر ومعلم الأخلاق ..
والشهيد يخلد نفسه في المجتمع عن طريق دمه . أي عن طريق الدم الجديد الخالد الذي يهبه شرايين المجتمع، وبعبارة أخرى يكتسب
[48]
الشهيد صفة الخلود عن طريق تقديم كل وجوده وحياته .. لا عن طريق تقديم جزء من وجوده وشخصيته، كما يفعل غيره من الخالدين .
ولهذا فالنبي الكريم يقول:
"فوق كل ذي بر بر حتى يقتل في سبيل الله، وإذا قتل في سبيل الله، فليس فوقه بر"
[49]
شفاعة الشهيد
ورد في الأثر أن الله يقبل الشفاعة يوم القيامة من ثلاث طبقات:
طبقة الأنبياء وطبقة العلماء ثم الشهداء .
وهنا ينبغي أن نوضح أن الشفاعة هذه هي "شفاعة الهداية" ..
إنها تجسيد لما حدث في الدنيا من حقائق ..
فعن طريق الأنبياء اهتدى الناس ونجوا من الظلمات .
والعلماء -في هذا الحديث - هم العلماء الربانيون بما فيهم الأئمة الأطهار والرهط الصالح من أتباعهم ومن حذا حذوهم، وهؤلاء أيضا ساروا على طريق الأنبياء واخرجوا الناس من الظلمات إلى النور .
والشهداء ينهضون بنفس الدور، يضيئون الدرب أمام الناس ، فيهتدي من يريد الهداية ،
وبذلك يكون الشهداء شفعاء لمن اهتدى بهم .
[50]
البكاء على الشهيد
"حمزة بن عبدالمطلب " عم النبي الكريم، أستشهد في أحد، ولمع اسمه بين شهداء صدر الإسلام، وحاز لقب "سيد الشهداء، وقبره الآن بين شهداء أحد مزار لكل الذين يقصدون
زيارة المدينة المنورة.
كان حمزة قد هاجر من مكة إلى المدينة حيث مكث وحيدا ليس معه فيها من ذويه أحد، حتى استشهد .
حين رجع النبي -ص- بعد معركة أحد إلى المدينة، وجد أصوات البكاء تتصاعد من بيوت الشهداء إلاّ بيت حمزة .. فقال عبارته المعروفة:
"أما حمزة فلا بواكي له".
سرعان ما انتشرت هذه الكلمة في أرجاء المدينة، فأسرعت النساء
[51]
الثكلى والأيامى إلى بيت حمزة ليبكينه احتراما لمقولة النبي ولحمزة عمه .
فأصبحت العادة منذ ذلك الوقت أن يذهب كل من يريد أن يبكي على شهيد، إلى بيت حمزة
ليبكيه أولا .
وهذه الحادثة دلت على أن الإسلام - وان لم يشجع على بكاء الموتى - يميل إلى أن يبكي الناس على الشهيد .. لأن البكاء على الشهيد اشتراك معه فيما سجله من ملاحم، وتعاطف
مع روحه، وانسياق مع نشاطه وتحركه وتياره .
بعد حادثة عاشوراء، احتلت شهادة الحسين مركز الذروة على مسرح الشهادة . وانتقل لقب "سيد الشهداء " إلى الحسين -ع- وبقى حمزة سيدا للشهداء، لكن عبارة "سيد الشهداء" إن
أطلقت دون ذكر اسم فلا تنصرف إلاّ إلى الحسين .
كان حمزة سيد شهداء زمانه، وحاز الحسين على لقب سيد شهداء جميع الأعصر والدهور ، كمريم العذراء التي كانت سيدة نساء زمانها، ثم أضحت فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين .
كان حمزة - قبل استشهاد الحسين - رمزا للبكاء على الشهيد، وكان البكاء عليه مظهرا من
مظاهر الإنشداد بطريق الشهادة، ثم انتقلت هذه المكانة إلى الحسين بعد موقعة كربلاء .
[52]
فلسفة البكاء على الشهيد
من الضروري أن نقف - ولو قليلا - عند مسألة "[15]" وهي مسألة لاكتها الألسن بكثير من عدم الفهم، وواجهت كثيرا من الإعتراضات .
تهجم بعضهم بصراحة على هذه الظاهرة مدعيا أنها وليدة نظرة خاطئة إلى مسألة الشهادة
وأنها ذات آثار اجتماعيه سلبية .
أتذكر أني قرأت أيام التلمذة كتابا للكاتب المعروف آنذاك "محمد مسعود" طرح فيه مسألة
البكاء على الحسين بن علي -ع- وقارن ذلك بما دأب عليه المسيحيون بالإحتفال، بل بالإبتهاج في ذكرى استشهاد المسيح !
قال: انظروا إلى أمة تبكي على شهيدها لأنها تحسب الشهادة فشلا وخسرانا وأمرا يبعث
على الحزن والأسف، وأمة أخرى تبتهج بذكرى شهادة شهيدها لأنها تنظر إليها نظرة اعتزاز وافتخار.
[53]
وأمة تبكي ألف عام على استشهاد شهيدها وتتحرق ألما وأسفا عليه لابد أن تكون ضعيفة
مهزوزة مهزومة . لكن أمة تبتهج حين تحيي ذكرى شهادة شهيدها خلال القرون المتمادية لهي أمة قويه مقتدرة مضحية حتما .
هذا الكاتب يريد أن يقول، أن البكاء على الشهيد مظهر ضعف الأمة وانحطاطها، والإبتهاج بذكرى الإستشهاد ينم عن روح قويه مقتدرة . لكن المسألة في رأيي هي عكس ما ذهب اليه الكاتب، فالإبتهاج في ذكرى الإستشهاد يعبر عن "الروح الفرديه " في المسيحية .والبكاء على الشهيد يعبر عن "الروح الإجتماعية" في الإسلام .
لا أريد هنا طبعا أن ابرر أعمال غير من الناس ممن ينظرون إلى الحسين على أنه مجرد شخصية تثير الحزن والأسف والأسى لأنه قتل مظلوما، ولأنه ذهب ضحية أهواء الطاغوت .
لا أريد أن ابرّر أعمال أولئك الذين لا يضعون نصب أعينهم مواقف الحسين البطولية في إحيائهم لذكرى سيد الشهداء، فقد سبق أن انتقدنا هؤلاء حين تحدثنا عن (منشأ القدسية) في الشهيد.
بل أريد أن أوضح فلسفة تعليمات قادتنا الميامين في حقل البكاء على الشهيد .
هذه الفلسفة التي يتفهمها جيدا كل الواعين ممن يشاركون في مجالس عزاء الحسين.
[54]
ما هي طبيعة الموت ؟
ثمة اتجاهات متباينة في نظرتها إلى الموت ..
- فاتجاه يرى أن علاقة الإنسان بالعالم، وعلاقة الروح بالجسد هي نوع من العلاقة التي
تربط السجين بالسجن، وغريق البئر بالبئر، والطير بالقفص .
والموت في رأي هذا الإتجاه الفكري خلاص وحرية، والإنتحار بموجبه مشروع .
وتنسب إلى ( ماني ) المعروف هذه النظرية، وبموجبها يكتسب الموت صفة ايجابية مطلوبة، إذ أنه نجاة من سجن وخروج من بئر وتحرر من قفص . وليس فيه ما يدعو إلى الأسف بل إلى الإبتهاج.
- واتجاه ثان يرى أن الموت عدم وفناء، خلافا للحياة التي هي وجود وبقاء.. والإنسان
يميل غريزيا وبالبداهة إلى ترجيح الوجود على الفناء، ولذلك فهو يفضل الحياة - بأية
صورة كانت - على الموت، يتحدث (المولوي) عن (جالينوس) الطبيب الأسكندراني المعروف أنه قال: إني أفضل أن أبقى حيا حتى ولو قدر أن أعيش في بطن بغلة ورأسي خارجها . هذا الإتجاه ينظر إلى الموت نظرة سلبية تماما .
- والإتجاه الآخر يرفض أن يكون الموت إبادة وفناء .. ويرى انه انتقال من عالم إلى آخر،
ويرفض أن تكون علاقة الإنسان بالعالم ،
[55]
وعلاقة الروح بالجسد من نوع علاقة السجين
بالسجن، أو الغريق بالبئر أو الطير بالقفص، ويذهب إلى أنها كعلاقة الطالب بالمدرسة
وعلاقة الفلاح بالمزرعة .
الطالب يعاني في دراسته مصاعب متعددة كابتعادة عن الأهل والأحبة وعن الوطن أحيانا ،
وكتقيده بجدران الصف والمدرسة ..
لكن الطريق الوحيد لسعادة هذا الطالب في المجتمع ينحصر في إنهاء دراسته بنجاح .
والمزارع يتحمل في حقله أنواع الأتعاب، ويعاني من ابتعاده عن أهله وأطفاله . لكن عمله
في المزرعة هو الذي يوفر له وسيلة حياة مرضيه في كنف عائلته طول أيام السنة .
وكيف يستقبل الموت أصحاب هذا الإتجاه الأخير ؟
هؤلاء يخافون من الموت وينفرون منه إن كانوا قد أضاعوا عمرهم، وأتلفوا حياتهم، وارتكبوا المعاصي والآثام .. لكنهم يستقبلون الموت ببشر وسرور، ويترقبونه بفارغ الصبر إن كانوا قد أدوا ما عليهم من مسؤولية في الحياة، ونجحوا في اجتياز المرحلة الدنيويه، شأنهم في ذلك شأن الطالب الذي جد واجتهد بنجاح في دراسته ويود بلهفة أن يعود إلى وطنه وإلى أحضان أهله وأحبائه . وكالمزارع الذي بذل غاية جهده في عمله ، ويأمل بشوق شديد أن ينتهي من عمله، ويأخذ ما جنته يداه إلى بيته .
هذا الطالب يصارع رغبته في العودة إلى وطنه قبل انتهاء دراسته،
[ 56]
ويأبى على نفسه أن يترك دراسته ناقصة . وهكذا المزارع لا يضحي بعمله وواجبه من أجل تحقيق أمله .
شأن أولياء الله شأن هذا الطالب .. ينظرون بعين الشوق والأمل إلى الموت باعتباره نقلة
إلى العالم الآخر، وهذا الأمل يعتمل في نفوسهم، فلا يقر لهم قرار .. يقول علي -ع-:
"ولولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب " الخطبة 193
ومع هذا .. فأولياء الله لايلقون بأنفسهم نحو الموت، إذ يرون العمر فرصة وحيدة للعمل
والتكامل ، ويعلمون انهم يستطيعون اجتياز مراحل أسمى على سلم التكامل إن استمروا
على قيد الحياة .. فيطلبون من الله أن يطيل أعمارهم .
ومن هنا فلا تعارض بين شوق المؤمنين إلى الموت وطلبهم طول العمر .
القرآن الكريم يخاطب اليهود الذين زعموا أنهم (أولياء الله ) قائلا: فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}(الجمعة6). ثم يقول: {وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}(الجمعة7).
[ 57]
هؤلاء هم من النوع الذي أشرنا إليه آنفا في القسم الثالث من وجهات النظر إلى الموت.
أولياء الله يعرضون عن طلب طول العمر في موضعين:
الأول - حين يشعرون بعدم قدرتهم على إحراز مزيد من النجاح في حياتهم، بل يحسون
بتناقض بدلا من التكامل .
يقول علي بن الحسين -عليه السلام - في دعائه:
"إلهي وعمرّني ما دام عمري بذلة في طاعتك، فان كان مرتعا للشيطان فاقبضني إليك" .
الثاني - الشهادة، فأولياء الله يطلبون من الله الموت في موضع الشهادة دونما شروط .
لان الشهادة تنطوي على الخاصيتين معا: خاصية العمل، وخاصية التكامل .
والحديث النبوي:
"فوق كل ذي بر بر، حتى يقتل في سبيل الله، وإذا قتل في سبيل الله، فليس فوقه بر"
يؤكد هذه الحقيقة .
ومن هنا الإمام علي يكاد يطير فرحا حين يسمع من النبي أن مصيره الشهادة .
وعلي -عليه السلام - تحدث عن الموت كثيرا ومما قاله في هذا الصدد:
[ 58 ]
"والله ما فجأني من الموت وارد كرهته ولا طالع أنكرته، وما كنت إلا كقارب ورد وطالب وجد " . هذه النظرة إلى الموت بلغت من العمق والرسوخ في نفس (علي ) بحيث رفع
عقيرته حين هوى السيف على مفرق رأسه صبيحة التاسع عشر من رمضان مرددا:
" فزت ورب الكعبة " !!
والحسين بن علي -ع - يروي عن جده رسول الله -ص- انه قال له:
" إن لك منزله عند الله لا تنالها إلا بالشهادة " .
إلى هنا، حللنا مسألة الموت والشهادة في (الإطار الفردي )..
وتبين لنا: أن الموت على مسرح الشهادة فوز للشهيد ما بعده فوز، ويستحق الفرح والإبتهاج في ذكريات استشهاد أئمتنا .
ومن هنا يقول السيد ابن طاووس: لو لم تصل إلينا الأوامر بالتعزية، لأقمنا حفلات الإبتهاج في ذكريات استشهاد أئمتنا .
ومن هنا أيضا، يحق للمسيحيين أن يقيموا حفلات سارة بمناسبة استشهاد المسيح - كما يعتقدون . والإسلام يصرح بأن الشهادة فوز للشهيد لا غير .
التحليل السابق - كما ذكرنا - يقتصر على (الإطار الفردي ) لمسألة
[ 59 ]
الشهادة .. ولهذه المسألة - في نظر الإسلام - إطار آخر هو ( الإطار الإجتماعي ) .
الإطار الإجتماعي للشهادة ينظر إلى المسألة باعتبارها ظاهرة لها جذورها الممتدة في
أعماق المجتمع، ولها آثارها الجسيمة التي ستتركها على الحياة الإجتماعية .
موقف المجتمع من الشهيد ومن حادثة الشهادة لا يرتبط بالشهيد ذاته فقط بما حققه الشهيد
من نجاح فردي، أو بما مني به من فشل فردي فحسب .. بل إن هذا الموقف يرتبط برد الفعل الذي سيبديه المجتمع تجاه الشهيد، وتجاه جبهة الشهيد من جهة، وتجاه الجبهة المعارضة للشهيد من جهة أخرى .
الشهيد يرتبط بمجتمعه عن طريق .
الأول - ارتباطه بأفراد حرموا من وجوده ومن معطياته .
ووقع الشهادة على هؤلاء الأفراد مؤلما محزنا . وان بكي هؤلاء على الشهيد فإنما يبكون في الحقيقة على أنفسهم .
الثاني - ارتباطه بالأفراد الذين ثار الشهيد بوجههم، لما بثوه في المجتمع من إثم وفساد .
أي ارتباطه بالجو الفاسد الذي ناضله الشهيد وسقط صريعا على طريق نضاله .
هذا الإرتباط يلقي على المجتمع أول درس من دروس الشهيد .
هذا الدرس يتلخص في الطلب من أفراد المجتمع بعدم السماح للأجواء الفاسدة أن تظهر في المجتمع..
[ 60 ]
شهادة الشهيد تطرح في إطار هذا الدرس على إنها أمر مؤلم مفجع، لكن هذا الألم يتحول في نفوس الأفراد إلى سخط على الذين ثار الشهيد بوجههم، وعلى الذين قتل الشهيد بأيديهم .. وهذا السخط يحول دون ظهور قتلة جناة في المجتمع .
وهذا الدرس نتلمس آثاره في الذين تربوا في مجالس العزاء الواقعية على الحسين، انهم
يأبون أن يتشبهوا قيد أنمله بقتلة الحسين .
وللشهادة دروس اجتماعية أخرى ..
المجتمعات الإنسانية لا تخلو من أجواء فاسدة تتطلب الشهادة .
وهنا ينبغي دفع مشاعر أفراد المجتمع على طريق الإستشهاد، عن طريق سرد ما قام به
الشهيد من أعمال بطولية عن " وعي " و " انتخاب " .
فعن هذا الطريق ترتفع مشاعر أفراد المجتمع إلى مستوى مشاعر الشهيد، وتنطبع بطابعها
ومن هنا قلنا إن البكاء على الشهيد: اشتراك معه فيما سجله من ملاحم، وتعاطف مع روحه، وانسياق مع نشاطه وتحركه وتياره ..
وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: هل أن مجالس الفرح والرقص والسكر والعربدة - كما هو مشهود في مجالس المسيحيين الدينية - بقادرة على خلق هذه المشاعر الإجتماعية تجاه
الشهيد ؟! أم مجالس البكاء؟
يخطئ من يظن أن البكاء ظاهرة سلبية تنم دائما عن مشاعر الحزن والألم .
[ 61 ]
الضحك والبكاء من خصائص الإنسان .. الحيوانات تشعر باللذة والألم، لكنها لا تعبر عما
تحسه بضحك أو بكاء .
الضحك والبكاء مظهران لا شد حالات إثارة العواطف البشرية.
للضحك أنواع وأقسام لسنا الآن بصدد الحديث عنها، وهكذا البكاء..
والبكاء يرافق عادة نوعا من الرقة والهياج، فدموع الشوق والحب معروفة للجميع .
وفي حالة البكاء وما يصحبه من رقة وهياج يشعر الإنسان بقربه من حبيبه الذي يبكي عليه، أكثر من أي وقت آخر . بل يشعر في تلك الحالة باتحاد مع الحبيب .
الضحك والسرور لهما غالبا طابع (التوغل في الذاتية )، والبكاء له - على الأكثر - طابع (الخروج من أغلال الذاتية )، وطابع نكران الذات، والذوبان في ذات المحبوب .
الضحك بهذا المنظار يشبه (الشهوة ) التي ليست سوى الإنغماس في الذات .. والبكاء يشبه
(الحب) الذي هو خروج من إطار الذات الإمام الحسين بما سجله من مواقف على ساحة الشهادة يملك قلوب مئات الملايين من أبناء البشر .
ولو قدر لعلماء الدين - وهم الأمناء على صيانة هذا الإنشاد بالحسين - أن يستثمروا هذه المشاعر الإنسانية بدفعها على طريق
[ 62 ]
الحسين وبرفعها إلى مستوى آمال الحسين وروح الحسين، لأمكنهم أن يصلحوا العالم بأسره. سر بقاء الحسين يكمن من جهة في البعد العقلي لثورته، وفيما تتميز به من منطق إنساني
سليم . ومن جهة أخرى في جذورها الضاربة في أعماق المشاعر والعواطف .
البكاء على الحسين يصون بقاء هذه الجذور العاطفية في النفوس، ويصونها من الضعف والزوال . ومن هنا نفهم حكمة توصيات أئمتنا في البكاء على الحسين ..
لكن ظاهرة البكاء تبقى دونما عطاء - كما قلنا - إن لم تستثمر على الطريق الصحيح .
[ 63 ]
تربة الشهيد
رسول الله -صلى الله عليه وآله - علم ابنته ذكرا عرف فيما بعد بتسبيحة الزهراء، يكبّر فيه
الذاكر 34مره، ويحمد الله 33 مرة ويسبحه 33مرة .
ومن أجل أن تضبط الصديقة الطاهرة أعداد التكبير والحمد والتسبيح في ذكرها، بادرت إلى أن تعمل لنفسها مسبحة ... وما كان منها إلاّ أن توجهت إلى قبر حمزة بن عبد المطلب لتأخذ منه تربة تعمل منها مسبحتها !
ولهذا الإنتخاب .. انتخاب تربة الشهيد حمزة، مدلوله العميق .
يمكن عمل المسبحة من خشب أو حجارة أو أية تربة أخرى . لكن انتخاب تربة الشهيد يدل
على احترام الشهيد والشهادة، بل يعني تقديس الشهادة .
بعد استشهاد الحسين، أضحت تربة الحسين محطا لأنظار المتبركين بصعيد الشهادة .
[ 64 ]
اتباع مدرسة آل البيت لا يسجدون على المأكول و الملبوس استنادا إلى ما ورد من نهي عن
ذلك .. ويضعون جباههم أمام الله على الصخر أو التراب، لكنهم يفضلون - استنادا إلى تعاليم أئمتهم - أن يمرغوا جباههم أمام ربهم على تربة الشهيد، على تربة الحسين .
السجود يصح على أية تربة، لكن تربة كربلاء معطرة بشذى الشهادة ، وتفوح منها رائحة القرب من الشهيد . والحث على السجود عليها هو حث على تذكر مكانة الشهيد وقيمة الشهادة باستمرار .
[ 65 ]
ليلة الشهيد
لقد اجتمعنا هذه الليلة لنحيي ذكرى ليلة العاشر من محرم .. وهي ليلة الشهيد .
شاع في عالمنا المعاصر اتخاذ يوم من أيام السنة لتكريم فئة من الفئات ويقترن ذلك اليوم
باسم تلك الفئة كيوم العمال، ويوم المعلم، ويوم الأم ....
لكننا لم نسمع بتخصيص يوم لتكريم الشهيد .. وفي الإطار الاسلامي، تميز يوم العاشر من محرم وحده بأنه يوم الشهيد (حبذا لو اتخذت الشعوب الإسلامية بأجمعها هذا اليوم يوما للشهيد، لتستلهم جميعها من هذه الذكرى ما يعينها على الوقوف بوجه انواع التحديات التي تواجهها "م" )
ها نحن نجتمع في ليلة هذا اليوم الكبير لنعيش منطق الشهادة ..
منطق العشق الإلهي الممزوج بمنطق الإصلاح الإجتماعي .. منطق الإنسان العارف المصلح .. منطق مسلم بن عوسجة، وحبيب بن مظاهر وزهير بن القين وأمثالهم من الشهداء الذين يمثلون منطق الشهادة وشخصية الشهيد خير تمثيل .
[ 66 ]
وسام الحسين
في مثل هذه الليلة اجتمع الحسين بأصحابه ليقلدهم وساما يبين مكانتهم ومنزلتهم، وليميط
اللثام عن صمودهم وإصرارهم على انتخاب طريق الشهادة .
جمع الحسين أصحابه عند قرب الماء- وفي رواية عند قرب المساء - فخطبهم قائلا:
"أثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن
أكرمتنا بالنبوة - وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين ".
ثم قال:
" أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أوفى و لا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل
من أهل بيتي، جزاكم الله عني جميعا .
ألا وأني أظن أن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا، وأني قد
[ 67 ]
أذنت لكم، فانطلقوا جميعا في حل، ليس عليكم مني ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، فجزاكم الله جميعا خيرا، وتفرقوا في سوادكم ومدائنكم، فان القوم
إنما يطلبوني، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري ...".
تقول الرواية: إن الحسين جمع أصحابه عند قرب الماء، أو عند قرب المساء، فان كانت
(قرب المساء) فتعني قرب أمسية يوم التاسع من محرم . أما إن كانت (قرب الماء) فتعني في الخيمة المخصصة لقرب الماء في معسكر الحسين .
وربما جمع الحسين هؤلاء في هذه الخيمة لأنها أضحت خالية من الماء ... إذ أن أرباب
المقاتل يذكرون أن آخر وجبة من الماء حصل عليها الحسين كانت ليلة العاشر من محرم،
وفي هذه الليلة شرب من كان مع الحسين، ثم قال لأصحابه: إغتسلوا بما بقي من هذا الماء، فإنه آخر حظكم من ماء الدنيا ..
ويبتدئ الحسين - في خطبته - بالثناء على الله تعالى وحمده على كل حال .
عبارات الحمد والشكر تتردد على لسان الحسين دوما، معبرة عن الإرتباط الوثيق بينه وبين الله تعالى .
فقد أجاب الفرزدق حين قال له: قلوب الناس معك وسيوفهم عليك:
[ 68 ]
"إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته " (الكامل 3/276 و الطبري 4/ 290)
[ 69 ]
منطق أصحاب الحسين
قال له اخوته، وأبناؤه، وبنو أخيه، وأبناء عبدالله بن جعفر:
ولم نفعل؟لنبقي بعدك .. ؟! لا أرانا الله ذلك أبدا "
وقال مسلم بن عوسجة:
"أنحن نخلي عنك ولما نعذر إلى الله في أداء حقك؟أما والله لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك ".
وقال سعد بن عبدالله الحنفي:
"والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله -ص- فيك، والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذر، يفعل بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقي حمامي
دونك . فكيف لا أفعل ذلك، وإنما هي قتلة واحدة " .
[ 70 ]
وقال زهير بن القين:
"والله لوددت أني قتلت، ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتله، ثم نشرت ثم قتلت
حتى أقتل كذا قتلة، وإن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك " (الطبري 4/317، 318) . عند ذلك أخبرهم الحسين باستشهادهم يوم غد..
فهللوا وكبروا وحمدوا الله على ما أنعم عليهم .. هذا هو منطق الشهيد ..
لو لم يكن منطق أصحاب الحسين منطق شهادة لآثروا ترك الحسين ..
لأن الحسين سيقتل غدا لا محالة .. فما فائدة بقائهم مع الحسين ؟!
والحسين نفسه .. سمح لهم بالمغادرة .. ولم يصر عليهم بذلك لو كان منطق الحسين
غير منطق الشهادة، لأفتى بحرمة بقائهم، لان بقائهم يعرضهم لخطر الموت والتهلكة .
لكن الشهداء أبوا المغادرة، والحسين أبى أن يصر عليهم .. بل سر واستبشر بموافقتهم ،
لأن منطق الحسين وأهل بيته وأصحابه منطق الشهيد، وهذا المنطق يرى أن المجتمع الميت بحاجة إلى دم يحرك كيانه المشلول .
الشهادة لا تستهدف التغلب على العدو وحسب .. بل تستهدف تسجيل المواقف البطولية
وتدوين الملاحم الإنسانية .
[ 71 ]
وهكذا كان ..
لقد بقيت ملحمة كربلاء وستبقى مشعلا يضيئ الطريق أمام الأجيال .. وصرخة بوجه الظالمين في كل زمان ومكان .. وهزة تنبعث في جسد الأمة متى ما اعترى هذا الجسد
خمود وركود .
:B: