صباح التميمي
06-20-2013, 10:42 AM
الأستاذ الدكتور عبود جودي الحلي شاعرا ومصلحا
ـ قراءة موضوعية في اتجاه شعره الإصلاحي ـ
بقلم : صباح حسن عبيد التميمي([1] (http://www.asoudaliraq.net/#_ftn1)) إن المتتبع لنتاج الشاعر الدكتور عبود جودي الحلي يلمس بوضوح النفس الإصلاحي في طيات معظم أشعاره ، وبخاصة تلك التي سجّل فيها مشاعره وعواطفه الولائية تجاه آل الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله ـ ، وهو توجه نابع من البيئة التي نشأ فيها الشاعر، إذ عاش الشاعر في بيئة دينية رضع من مراضعها التديّن ، وأثّرت في نشأته الفكرية ، فهي موطن الالتزام الديني ، ومنبع الثقافية الملتزمة، تنبعث منها مصادر الاشعاع الفكري متمثّلة بالمجالس الحسينية التي درج أهلها على إقامتها على مرور السنين منذ وقعة الطف الأليمة ـ وقتئذ ـ إلى يوم الناس هذا ، ويمثّل المنبر الحسيني فيها بؤرةً فكرية يلتفُّ حولها أبناء هذه المدينة فيغترفون من معينه الثر، ولا نبتعد بعيدا إذا قلنا أن المنبر الحسيني مدرسةٌ متنقلةٌ مفتوحة لا تغلق بابها أمام الواردين ، ولا تحرم العطاشى من منهلها الفكري الصافي الذي ينبع من بحر العلم والدين والاخلاق الامام الحسين ـ عليه السلام ـ، فاستذكار سيرته العطرة، وعرض مصيبته كل عام يُسهم في بناء شخصية أبناء هذه المدينة بناء دينيا عماده تلك السيرة العطرة التي تنير درب الاجيال بما فيها من مواقف مشرّفة تبدأ منذ ولادته ـ عليه السلام ـ وتنتهي باستشهاده على هذه الارض الطاهرة ،وبين المُبْتَدَأ والمُنْتَهى تمتد سلسلة ذهبية من الاعوام الحافلة بالمواقف المشرّفة التي تمثّل دستورا اخلاقيا ، وكتابا مضيئا ينهل من صفحاته المشرقة دعاة الاصلاح . وكان للشعر في هذا التوجه الاصلاحي الذي احتضنته مدينة كربلاء المقدسة على مرّ العصور منزلة سامقة في ميدانها الاجتماعي ؛ إذ اصطفّ الشعراء جنبا إلى جنب مع الوعّاظ والمنبريين لأداء تلك الرسالة الحسينية التي تشربتها نفوسهم وحاولوا إيصالها إلى عامة الناس، كونهم قد وجدوا في الشعر خير وسيلة لانجاز هذه المهمة ؛ انطلاقا من أن الفن الشعري فنٌ قولي تواصلي يخاطب العاطفة قبل العقل ، فيحرّك المشاعر، ويهز أوتار الاحاسيس، فيستميل ـ بذلك ـ النفوس ، وتنشأ بوساطته بين (الباث) و(المتلقي) رابطةٌ عاطفيةٌ قوية ، تُسهم في ترسيخ الأفكار التي أراد الشاعر ـ الباث ـ إيصالها إلى المتلقي . وقد كان للقصائد المنبرية التي تُنظم لغرض الانشاد في المآتم الحسينية العاشورائية ، والاحتفالات المولدية الشعبانية الدور الكبير الفاعل في إيصال الرسالة الاصلاحية إلى جمهور المتلقين بصورة بهية زاهية ، فالشعر ـ بما يحمله من صور جميلة، وما يختزنه من عواطف وأحاسيس جيّاشة تُقدّم بقالب إيقاعي نغمي يخلب الألباب والأسماع ـ يمثّل أداة صالحة فاعلة لعرض الأفكار الاصلاحية بين طيات المآتم أو الموالد والأفراح الولائية . وقد نظم شاعرنا الأستاذ الدكتور عبود الحلي جملة من القصائد المنبرية ، فضلا عن القصائد التي ألقيت في المحافل والمهرجانات إضافة إلى ما نشره منها في مجلاّت ثقافية مختلفة، وقد وجدت كلها طريقها إلى النشر في مجموعة شعرية وُسمت بـ(في رحاب كربلاء) طُبعت بمطبعة الطف ، ونُشرت ـ بطبعتها الأولى ـ في منشورات جامعة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ سنة 1433هـ ـ 2012م، وقد ضمّت بين دفتيها تسعةَ عشر نصا شعريا توزّع بين فصيح وشعبي ، وسنلزم أنفسنا ههنا ـ بحكم التخصص طبعا ـ بما نُشر فيها من قصائد فصيحة ، فنحاول أن نستجلي ما في عيناتٍ من نصوصها من أفكار إصلاحية شكّلت مجتمعةً مع غيرها الاتجاه الاصلاحي في شعر الاستاذ الدكتور الشاعر عبود جودي الحلي . لقد كان التوجه الاصلاحي العام واضحا جليا في معظم النتاج الشعري للدكتور الحلي ؛ إذ كان شاعرا ملتزما بامتياز يسير على خط شعراء الالتزام الديني ، فيؤمن بأن الثورة الحسينية هي ثورة إصلاح قبل أن تكون ثورة سلاح ، وقد وضع نصب عينيه أنها انتفاضة عِبْرَة أكثر منها عَبْرَة ، وقد طبّق الشاعر الدكتور فكره النيّر الملتزم في معظم قصائده التي نظمها في أل البيت ـ عليهم السلام ـ ، وجعل منها مصداقا لما تمسّك به من مبادئ إصلاحيــّة نابعـــة من فكــره الديني الملتزم ، ومن ذلك قولــه في قصيدة (عشق الحسين) :([2] (http://www.asoudaliraq.net/#_ftn2))
يا ابـنَ النبي سننتَ سُنــَّـــةَ ثورةٍ
وحملتَ في درب الرسالــةِ مشعلا
وخططتَ دربَ الثائريــن مضمّخًـا
بدمِ الجهــادِ ، فكــانَ دربــا أمثــلا
هـذا الحسيـــنُ وذاكَ دربُ جهــاده
فـاسلكـــهُ إمّا شئْــتَ أن تتمثَّـــــلا فالشاعر يوجه خطابا إصلاحيا عاما بعد أن يعرض ثورة الامام الحسين ـ عليه السلام ـ أمام المتلقي، ويرسم صورتها له ، كي يهيئ نفسيته لاستقبال النصيحة الاصلاحية ، بعد أن بيّنَ له الشاعر دربَ الحسين، ونهجه الحق ، وتكشّفت أمامه ـ بوساطة ذلك ـ الابعاد الحقيقية لثورته ـ عليه السلام ـ ، فأصبح مهيئا لاستقبال النُصح والارشاد النابع من سنا نور تلك الثورة ، والذي حرص الشاعر على عموميته ، فخاطب فيه شخصا غائبا غير محدد ، وتكمن عموميته في أن الضمير الذي استعمله الشاعر (وهو ضمير المخاطب الغائب) يصلح لكلّ متلقي يقرأ القصيدة ، إذ تشعر ـ وأنت تقرأ ـ أن الشاعر جالسٌ أمامك يخاطبك أنت دون غيرك ويدعوك لنهج الصواب ، وبذلك تتسع دائرة الاصلاح لتشمل كل موالي يطّلع على النص ، ويقرأه وينفعل له . ويلجأ الشاعر أحيانا ـ في نهجه الشعري الاصلاحي ـ إلى الركائز العَقَدِيّة لأتباع مذهب آل البيت ـ عليهم السلام ـ ، فيستعين بها ، ويوظفها في نصه في محاولة منه لتقديم النصح والارشاد إلى جمهور المتلقين الموالين بطريقة ذكية ؛ إذ يُذكّرهم ـ في نهجه هذا ـ بالثوابت العقائدية ويرسّخها في نفوسهم ، ومن ثمّ يبثّ ـ في أثناء ذلك ـ أفكار الاصلاح والارشاد التي يروم تبليغها إياهم ، ومن ذلك قوله في قصيدة (كمال الكون سيدنا محمّد) :([3] (http://www.asoudaliraq.net/#_ftn3))
كمالُ الكـونِ أجمعــــــهُ تجسّـــدْ
فكان المصطفى الهادي محمـــّدْ
رســــول الله مبعـــوثٌ بهــــدي
دعا وهدى إلى حـــقّ وأرشـــدْ
هو الفجــــر الذي قد لاحَ يزهو
يبشّــر أمّــــــة الاسلامِ بالغـــدْ
وفي يمــنــــــاهُ قرآنٌ كريـــــم
وسيفٌ في اليد الأخرى مجرّدْ
شفيــعُ النــاسِ يسقيهم بكأسٍ
تــروّي كلَّ من لبّــــى ووحّــدْ
إذا شئتَ الهدايــةَ فاغتنــمــها
تــــزوّد فالنجــاةُ لمــن تــزوّدْ
ووالِ المرتضــى والآل تحظى
بمكرمـةٍ وفي الدارين تُسعدْ([4] (http://www.asoudaliraq.net/#_ftn4))
فحــبُّ المرتضى دِيــنٌ ودَيْــنٌ
ومن عادى أبـــا حسـنٍ فمرتدْ وواضح أن الشاعر يستعين بالثوابت العقدية التي تمسّ عقيدة المتلقي ليجعل منها وسيلة يستعين بها لتقديم الافكار الاصلاحية والنُصح والارشاد المطلوب ؛ إذ يُذكّر المتلقي بعقائده التي يعتقد بها بوصفه من أتباع مدرسة أهل البيت ، ويتسلسل معه في تلك الركائز العقدية ، فينتقل من (النبوة) ، إلى (التوحيد) ، ثمّ يختم بـ(الولاية) التي هي من ثوابت المذهب ، فيؤثّر في المتلقي، ويحرّك مشاعر الولاء عنده ، فيجعله يلتفت لنفسه ، إن كان قد ابتعدت به نفسه قليلا عن جادة الصواب ، فيؤب لرشده ، ويتمسّك بمبادئ عقيدته الحقّة، ولا يحيد عنها . وبعد هذه الايماضة العجلى ، والجولة السريعة بين أروقة نصوص الاستاذ الدكتور عبود جودي الحلي ، يتّضح بجلاء أن النزعة الاصلاحية الدينية تسيطر على نفسه الشعري ، وتغمر ساحة نصوصه الدينية بخاصة ، فلا تكاد تفارق كلّ نصٍّ دينيٍّ نظمه في آل البيت ـ عليهم السلام ـ، وقد شكّل ذلك ظاهرة جديرة بالملاحظة ، وخليقة بالوقوف عندها عن كثب ، لتوسيع أفق الدراسة فيها ، بعد استقراء كل نتاجه الديني ، ليتسنى للدارس الوقوف عند كل نصوصه ، ومحاولة كشف النقاب عمّا في جانبها المضموني من نزعة إصلاحية عامة تدعو لكل ما فيه خير أمّة نبينا محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ وصلاح أتباع آل بيته الطيبين الطاهرين ، الذين أرسَوا دعائم مدرسة الاصلاح التي بدأها الرسول الكريم ، وبذلوا مهجهم في سبيل استمرارها .
صباح حسن عبيد التميميّ
كربلاء 15 / 6 /2013م
([1]) ماجستير ـ أدب ، وفي الوقت الحالي : طالب دكتوراه ـ أدب ، في قسم اللغة العربية / كليّة التربية للعلوم الانسانية / جامعة كربلاء .
([2]) في رحاب كربلاء ، عبود الحلي ، ط1 ، مطبعة الطف ، 1433هـ ـ 2012م : 11 .
([3]) في رحاب كربلاء : 25 .
([4]) في الأصل : (في الدارين) من دون (واو) قبل حرف الجر ، وهي سقطة طباعية لا يستقيم الوزن معها ؛ لذا أضفنا واوا قبل حرف الجر ليستقيم الوزن .
ـ قراءة موضوعية في اتجاه شعره الإصلاحي ـ
بقلم : صباح حسن عبيد التميمي([1] (http://www.asoudaliraq.net/#_ftn1)) إن المتتبع لنتاج الشاعر الدكتور عبود جودي الحلي يلمس بوضوح النفس الإصلاحي في طيات معظم أشعاره ، وبخاصة تلك التي سجّل فيها مشاعره وعواطفه الولائية تجاه آل الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله ـ ، وهو توجه نابع من البيئة التي نشأ فيها الشاعر، إذ عاش الشاعر في بيئة دينية رضع من مراضعها التديّن ، وأثّرت في نشأته الفكرية ، فهي موطن الالتزام الديني ، ومنبع الثقافية الملتزمة، تنبعث منها مصادر الاشعاع الفكري متمثّلة بالمجالس الحسينية التي درج أهلها على إقامتها على مرور السنين منذ وقعة الطف الأليمة ـ وقتئذ ـ إلى يوم الناس هذا ، ويمثّل المنبر الحسيني فيها بؤرةً فكرية يلتفُّ حولها أبناء هذه المدينة فيغترفون من معينه الثر، ولا نبتعد بعيدا إذا قلنا أن المنبر الحسيني مدرسةٌ متنقلةٌ مفتوحة لا تغلق بابها أمام الواردين ، ولا تحرم العطاشى من منهلها الفكري الصافي الذي ينبع من بحر العلم والدين والاخلاق الامام الحسين ـ عليه السلام ـ، فاستذكار سيرته العطرة، وعرض مصيبته كل عام يُسهم في بناء شخصية أبناء هذه المدينة بناء دينيا عماده تلك السيرة العطرة التي تنير درب الاجيال بما فيها من مواقف مشرّفة تبدأ منذ ولادته ـ عليه السلام ـ وتنتهي باستشهاده على هذه الارض الطاهرة ،وبين المُبْتَدَأ والمُنْتَهى تمتد سلسلة ذهبية من الاعوام الحافلة بالمواقف المشرّفة التي تمثّل دستورا اخلاقيا ، وكتابا مضيئا ينهل من صفحاته المشرقة دعاة الاصلاح . وكان للشعر في هذا التوجه الاصلاحي الذي احتضنته مدينة كربلاء المقدسة على مرّ العصور منزلة سامقة في ميدانها الاجتماعي ؛ إذ اصطفّ الشعراء جنبا إلى جنب مع الوعّاظ والمنبريين لأداء تلك الرسالة الحسينية التي تشربتها نفوسهم وحاولوا إيصالها إلى عامة الناس، كونهم قد وجدوا في الشعر خير وسيلة لانجاز هذه المهمة ؛ انطلاقا من أن الفن الشعري فنٌ قولي تواصلي يخاطب العاطفة قبل العقل ، فيحرّك المشاعر، ويهز أوتار الاحاسيس، فيستميل ـ بذلك ـ النفوس ، وتنشأ بوساطته بين (الباث) و(المتلقي) رابطةٌ عاطفيةٌ قوية ، تُسهم في ترسيخ الأفكار التي أراد الشاعر ـ الباث ـ إيصالها إلى المتلقي . وقد كان للقصائد المنبرية التي تُنظم لغرض الانشاد في المآتم الحسينية العاشورائية ، والاحتفالات المولدية الشعبانية الدور الكبير الفاعل في إيصال الرسالة الاصلاحية إلى جمهور المتلقين بصورة بهية زاهية ، فالشعر ـ بما يحمله من صور جميلة، وما يختزنه من عواطف وأحاسيس جيّاشة تُقدّم بقالب إيقاعي نغمي يخلب الألباب والأسماع ـ يمثّل أداة صالحة فاعلة لعرض الأفكار الاصلاحية بين طيات المآتم أو الموالد والأفراح الولائية . وقد نظم شاعرنا الأستاذ الدكتور عبود الحلي جملة من القصائد المنبرية ، فضلا عن القصائد التي ألقيت في المحافل والمهرجانات إضافة إلى ما نشره منها في مجلاّت ثقافية مختلفة، وقد وجدت كلها طريقها إلى النشر في مجموعة شعرية وُسمت بـ(في رحاب كربلاء) طُبعت بمطبعة الطف ، ونُشرت ـ بطبعتها الأولى ـ في منشورات جامعة أهل البيت ـ عليهم السلام ـ سنة 1433هـ ـ 2012م، وقد ضمّت بين دفتيها تسعةَ عشر نصا شعريا توزّع بين فصيح وشعبي ، وسنلزم أنفسنا ههنا ـ بحكم التخصص طبعا ـ بما نُشر فيها من قصائد فصيحة ، فنحاول أن نستجلي ما في عيناتٍ من نصوصها من أفكار إصلاحية شكّلت مجتمعةً مع غيرها الاتجاه الاصلاحي في شعر الاستاذ الدكتور الشاعر عبود جودي الحلي . لقد كان التوجه الاصلاحي العام واضحا جليا في معظم النتاج الشعري للدكتور الحلي ؛ إذ كان شاعرا ملتزما بامتياز يسير على خط شعراء الالتزام الديني ، فيؤمن بأن الثورة الحسينية هي ثورة إصلاح قبل أن تكون ثورة سلاح ، وقد وضع نصب عينيه أنها انتفاضة عِبْرَة أكثر منها عَبْرَة ، وقد طبّق الشاعر الدكتور فكره النيّر الملتزم في معظم قصائده التي نظمها في أل البيت ـ عليهم السلام ـ ، وجعل منها مصداقا لما تمسّك به من مبادئ إصلاحيــّة نابعـــة من فكــره الديني الملتزم ، ومن ذلك قولــه في قصيدة (عشق الحسين) :([2] (http://www.asoudaliraq.net/#_ftn2))
يا ابـنَ النبي سننتَ سُنــَّـــةَ ثورةٍ
وحملتَ في درب الرسالــةِ مشعلا
وخططتَ دربَ الثائريــن مضمّخًـا
بدمِ الجهــادِ ، فكــانَ دربــا أمثــلا
هـذا الحسيـــنُ وذاكَ دربُ جهــاده
فـاسلكـــهُ إمّا شئْــتَ أن تتمثَّـــــلا فالشاعر يوجه خطابا إصلاحيا عاما بعد أن يعرض ثورة الامام الحسين ـ عليه السلام ـ أمام المتلقي، ويرسم صورتها له ، كي يهيئ نفسيته لاستقبال النصيحة الاصلاحية ، بعد أن بيّنَ له الشاعر دربَ الحسين، ونهجه الحق ، وتكشّفت أمامه ـ بوساطة ذلك ـ الابعاد الحقيقية لثورته ـ عليه السلام ـ ، فأصبح مهيئا لاستقبال النُصح والارشاد النابع من سنا نور تلك الثورة ، والذي حرص الشاعر على عموميته ، فخاطب فيه شخصا غائبا غير محدد ، وتكمن عموميته في أن الضمير الذي استعمله الشاعر (وهو ضمير المخاطب الغائب) يصلح لكلّ متلقي يقرأ القصيدة ، إذ تشعر ـ وأنت تقرأ ـ أن الشاعر جالسٌ أمامك يخاطبك أنت دون غيرك ويدعوك لنهج الصواب ، وبذلك تتسع دائرة الاصلاح لتشمل كل موالي يطّلع على النص ، ويقرأه وينفعل له . ويلجأ الشاعر أحيانا ـ في نهجه الشعري الاصلاحي ـ إلى الركائز العَقَدِيّة لأتباع مذهب آل البيت ـ عليهم السلام ـ ، فيستعين بها ، ويوظفها في نصه في محاولة منه لتقديم النصح والارشاد إلى جمهور المتلقين الموالين بطريقة ذكية ؛ إذ يُذكّرهم ـ في نهجه هذا ـ بالثوابت العقائدية ويرسّخها في نفوسهم ، ومن ثمّ يبثّ ـ في أثناء ذلك ـ أفكار الاصلاح والارشاد التي يروم تبليغها إياهم ، ومن ذلك قوله في قصيدة (كمال الكون سيدنا محمّد) :([3] (http://www.asoudaliraq.net/#_ftn3))
كمالُ الكـونِ أجمعــــــهُ تجسّـــدْ
فكان المصطفى الهادي محمـــّدْ
رســــول الله مبعـــوثٌ بهــــدي
دعا وهدى إلى حـــقّ وأرشـــدْ
هو الفجــــر الذي قد لاحَ يزهو
يبشّــر أمّــــــة الاسلامِ بالغـــدْ
وفي يمــنــــــاهُ قرآنٌ كريـــــم
وسيفٌ في اليد الأخرى مجرّدْ
شفيــعُ النــاسِ يسقيهم بكأسٍ
تــروّي كلَّ من لبّــــى ووحّــدْ
إذا شئتَ الهدايــةَ فاغتنــمــها
تــــزوّد فالنجــاةُ لمــن تــزوّدْ
ووالِ المرتضــى والآل تحظى
بمكرمـةٍ وفي الدارين تُسعدْ([4] (http://www.asoudaliraq.net/#_ftn4))
فحــبُّ المرتضى دِيــنٌ ودَيْــنٌ
ومن عادى أبـــا حسـنٍ فمرتدْ وواضح أن الشاعر يستعين بالثوابت العقدية التي تمسّ عقيدة المتلقي ليجعل منها وسيلة يستعين بها لتقديم الافكار الاصلاحية والنُصح والارشاد المطلوب ؛ إذ يُذكّر المتلقي بعقائده التي يعتقد بها بوصفه من أتباع مدرسة أهل البيت ، ويتسلسل معه في تلك الركائز العقدية ، فينتقل من (النبوة) ، إلى (التوحيد) ، ثمّ يختم بـ(الولاية) التي هي من ثوابت المذهب ، فيؤثّر في المتلقي، ويحرّك مشاعر الولاء عنده ، فيجعله يلتفت لنفسه ، إن كان قد ابتعدت به نفسه قليلا عن جادة الصواب ، فيؤب لرشده ، ويتمسّك بمبادئ عقيدته الحقّة، ولا يحيد عنها . وبعد هذه الايماضة العجلى ، والجولة السريعة بين أروقة نصوص الاستاذ الدكتور عبود جودي الحلي ، يتّضح بجلاء أن النزعة الاصلاحية الدينية تسيطر على نفسه الشعري ، وتغمر ساحة نصوصه الدينية بخاصة ، فلا تكاد تفارق كلّ نصٍّ دينيٍّ نظمه في آل البيت ـ عليهم السلام ـ، وقد شكّل ذلك ظاهرة جديرة بالملاحظة ، وخليقة بالوقوف عندها عن كثب ، لتوسيع أفق الدراسة فيها ، بعد استقراء كل نتاجه الديني ، ليتسنى للدارس الوقوف عند كل نصوصه ، ومحاولة كشف النقاب عمّا في جانبها المضموني من نزعة إصلاحية عامة تدعو لكل ما فيه خير أمّة نبينا محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ وصلاح أتباع آل بيته الطيبين الطاهرين ، الذين أرسَوا دعائم مدرسة الاصلاح التي بدأها الرسول الكريم ، وبذلوا مهجهم في سبيل استمرارها .
صباح حسن عبيد التميميّ
كربلاء 15 / 6 /2013م
([1]) ماجستير ـ أدب ، وفي الوقت الحالي : طالب دكتوراه ـ أدب ، في قسم اللغة العربية / كليّة التربية للعلوم الانسانية / جامعة كربلاء .
([2]) في رحاب كربلاء ، عبود الحلي ، ط1 ، مطبعة الطف ، 1433هـ ـ 2012م : 11 .
([3]) في رحاب كربلاء : 25 .
([4]) في الأصل : (في الدارين) من دون (واو) قبل حرف الجر ، وهي سقطة طباعية لا يستقيم الوزن معها ؛ لذا أضفنا واوا قبل حرف الجر ليستقيم الوزن .