صباح التميمي
06-20-2013, 08:44 AM
قصيدة (العمود الومضة) ومضاتٌ من بوح التثوير ــ تأملات في مجموعة (وطن بطعم الجرح) للشاعر الدكتور مشتاق عباس معن ــ بقلم : صباح حسن عبيد التميمي(1 ) كالمدخل أو هو أقرب من ذلك : تشهد الساحة الثقافية ولا سيما الشعرية منها بين الفينة والاخرى ولادة جديدة تسجّل وجودها في طابورها الممتد على ساحة المشهد الثقافي الشعري، وكثيرا ما تنبثق تلك الولادات من أرحامِ بوحٍ تُنضّج منذ زمن على يد رجال نذروا أعمارهم للابداع وما هي إلا خطرة حتى يتكشّف وجهها ، ويسفر في ساحة الابداع ، كما أسفر وجه مجموعة شيخنا الشاعر الدكتور مشتاق عباس معن الموسومة بـ(وطن بطعم الجرح)، ليسجّل مشفى (المشهد الشعري العراقي) بيانا باسمها وترصف مع ما له من ولادات جديدة اندفعت إلى عالم الابداع بقوّة . لقد انثالت ومضات (وطن بطعم الجرح2013) ، وانهمرت على الساحة الثقافية من مزنة التثوير المحملة بالابداع التي ما زالت تُلقي بحمولتها كلّ يوم ، لتعلن عن فضاء جديد يجد طريقه إلى موكب الفضاءات الابداعية الاخرى التي تكدّست في ساحتنا الشعرية العراقية منذ (ما تبقى من أنين الولوج 1997م ) مرورا بـ( تجاعيد 2003) وحتّى ( تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق ) و(المجموعة الشعرية غير الكاملة).......ووو، انها بوح جديد يضاف لبوح ذلك الرجل المعطاء . كالقراءة أو هي أقرب من ذلك : تنبني (وطن بطعم الجرح) على طرحٍ نستطيع أن نطلق عليه أسما منحوتا يصفه بوضوح وهو : (تراحداثي) ـ إن صحّ ذلك ـ أراد له صاحبه أن يعقد قرانا فنيا بين (الحداثي) و(التراثي) ، فيتلبّس التراثي بالحداثي، ويذوب أحدهما في بوتقة الآخر مشكّلين معا خلطة شعرية جديدة تتمظهر بقالب عتيق، وفحوى حديث، بنيتها السطحية (الخارجية) تراثية، وبنيتها العميقة (الداخلية) حداثية، إنّها جدلية ممتعة لطالما تصارع الناس عليها، ووقفوا صفين ـ دون أن يأخذوا الأذن من أطراف الجدلية ــ صفٌّ ينادي بفوز التراثي، وتحطيم زجاج الحداثي، وصف ينادي بترك التراثي في مقبرته العتيقة ويحذّر من ايقاظه كي لا يفتعل ضجّة جديدة، ويوصي بفتح الأبواب على مصراعيها للحداثي...وهكذا بقي العراك مستعرا بين الأقلام، وكل يوم نرى القوم (تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم)، في كلّ صباح ثقافي ملبد بالغيوم نشهد شجارا جديدا...حتّى جاء هذا الدبلماسي الاممي الجديد (أعني العمود الومضة) فآخى بين (الحداثي) و(التراثي) ، ونجح في انهاء النزاع المستعر منذ بعيد الآماد ، نعم إنه الحل الناجع لفك اشتباك المتعاركين ، ودفن حالة التخندق المريرة ، التي ما فتأت تؤجج نيرانا لا ينطفئ أوارها ، ولا يصل المكتوون بألسنة لهيبها إلى بر الأمان إلا بعد أن يصطلون بسعيرها . لقد فتحت (وطن بطعم الجرح) باب التوافق السلمي ، ونادت إلى عقد مؤتمر ثقافي توافقي بين أطراف المعادلة الجدلية (الحداثي) و(التراثي) ، فتعانقا في بوتقتها، وتصافحا تحت قبّتها، والتقطت لهم (كاميرا) الشاعر المبدع الدكتور مشتاق عباس معن صورةً تمظهروا فيها مثّلت صورة (العمود الومضة) ذاتها ، إنها اتحاد بين ضدين ، ووحدة وجود شعري ، لافرق فيها بين حداثي وتراثي إلا بالابداع ، نعم إنها اعلان عن ولادة شعرية جديدة تنبثق من أرض العراق لتقف شامخة في صفوف شعرياته المتعاقبة . إنّ المتلقي حين يطلّ ببصره على نافذة (وطن بطعم الجرح) ليستجلي في غياهبها بعضا من نصوصها يتجلى أمامه ما أشرنا إليه فيما مضى ، فيرى تلك المزاوجة اللذيذة الطعم بين ثنائية (تراثي / حداثي) ، ولكي تتّضح الرؤيا فلنأخذ معا نصا من نصوص هذه المدونة لنرى تمظهرها إجراءً بعد أن تبيّنت للقارئ سابقا تنظيرًا ، قال الشاعر مفتتحا نصّه بومضة نثرية أتبعها بومضة شعرية :( 2) المُنْطَلـَـق ليس أولا دائمــــا، فربما سبقـــه الختـــام ، لذا تَوَقَّ " حيرةً آتيــــةً " لعلّهـا تصيبكَ في منطلقك الأخير : يُفتِّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــشُ عن بدءٍ له ، وهو بادئُ وتبحثُ في عينيــــــــــــــــــــــــــــــــــه عنه ، المرافئُ ترفّ له من كلّ صبحٍ غمامــــةٌ تدثّره حينـــــــــــــــا ، وحينـــــا ينــــــاوئُ فحارت به أمشاج كل رزيّــــــةٍ يطالعها فجرا ندا وهــــــــــــــــــــــــــــو دافئُ يتمظهر هذا النص بصورتين متغايرتين، تمتزجان في كون واحد، فعتبته نثرية وجسده عمودي ، إنّه إذن تلاحمٌ بين عوالم ابداعية متغايرة ، وربطٌ بين أواصر لطالما تنافرت وقُطّعت بينها الأسباب ، مزيج من عناصر كانت غير متجانسة لكنها تجانست به الآن ، نصفه العمودي له فضاء كتابي يختلف عمّا عهدناه في الفضاء الكتابي لنصوص منظومة العمود الموروثة؛ إذ تترى الكلمات في الشطر الواحد للبيت العمودي التراثي وتصطف واحدة تلو الاخرى دونما فصل حتى ينتهي الشطر الأوّل لتبدأ كلمات الشطر الثاني بالظهور بعد مسافة بيضاء قصيرة تفصل بين الشطرين ، لكننا في هذا النص أمام فضاء كتابي وطباعي جديد، يتكشّف على سطحه رذاذ الحداثة ، فهو أذن عمود مسّته لمساتُ ريشةٍ حداثية فتجلى بشكله الحالي مرتديا زيه الجديد، ما زجا بين ثنائية ( التراثي / الحداثي ) . وعلى هذا النمط البنائي (التراحداثي) للنص الشعري سار الشاعر المبدع في بناء مجموعته بالكامل ، فتجلّت نصوصه كلها على هذه الصورة من التمازج بين (التراثي) و(الحداثي) مع عمق دلالي يسيطر على أنساقه الغموض الممتع الذي يأخذ بتلابيب القارئ نحو عالم المبدع الخاص ، ويقوّي جسور التواصل بين أركان العملية الابداعية بعد أن يمرّ المتلقي بحالة من التلذّذ الشهي وهو يتلقى تلك النصوص طبقًا تلو الآخر . إنّ هذا المشروع الذي ولد في أزقة عقل صاحبه المبدع منذ أمد طويل تجلى اليوم بصورته الرائعة في مجموعة (وطن بطعم الجرح) ليفتح الباب على مصراعيه أمام الشعراء المبدعين ، والنقدة المتمرسين كيما يجولوا في أزقته الورقيه ويسرّحوا بصرهم في ربوعه المطبوعة ، ليقلّبوا وجوهَ حروفه ، ويفتّشوا عن أسرار انتظامه بسلكه الحالي، علّ أن بعضهم يتّخذ من عمرانها مثالا يبتني عليه مدنه المستقبلية في عالم الشعر . صباح حسن عبيد التميمي كربلاء 13 /6 /2013 الهوامش (1) ماجستير ـ أدب ، وحاليا طالب دكتوراه ـ أدب في قسم اللغة العربية / كلية التربية / جامعة كربلاء . (2)وطن بطعم الجرح ، قصائد من العمود الومضة ، مشتاق عباس معن ، ط1 ، دار الفراهيدي ، بغداد، 2013م : 97 ــ 98 .