سمير الكرماني
04-08-2013, 11:30 AM
الإهداءإلى روَّاد التدوين من السلف الصالحإلى من يسير على هديهم فكراً ونهجاً ومعتقداًإلى رجال الشريعة.. طلبة وأساتذة وباحثينإلى كلّ متطلّع إلى الحقيقة ومتحرِّر من قيود التقليد والجمودوإلى كلّ عقل حرّ، وفطرة سليمة، وفكر أصيلأهدي دراستي هذهالمؤلّف -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 7 -------------------------------------------------------------------------------- كلمة الناشرصدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب قبل سبعة أعوام، وبعد أشهر أعادت مؤسسة الأعلمي طبعه في بيروت، وفي الثلاثاء 17 شوال 1422 الاول من يناير 2002 م نشرت جريدة (الجمهورية اولاين) المصرية وضمن اصداراتها الاسبوعية (عقيدتي) حقل قصص الحق هذا الخبر:قرر مجلس مجمع البحوث الإسلامية بالازهر في اجتماعه الاسبوع الماضي برئاسة الإمام الاكبر د. محمد سيد طنطاوي شيخ الازهر استطلاع راي علماء جامعة الازهر في مسالة تعريب العلوم بالجامعات... الى ان قال:كما وافق المجمع على التقارير الثلاثة التي تقدم بها الدكتور محمد عمارة حول بعض الكتب.... والموافقة على تداول كتاب منع تدوين الحديث للسيد علي الشهرستاني.وفي عام 1423 هـ ـ 2002 م طبع الأستاذ عاطف الجبالي مدير (مركز الفجر للدراسات والبحوث ـ مصر) خلاصة هذا الكتاب الذي اعدّه وطبعه مركز الأبحاث العقائدية في قم قبل سنوات للمرة الثانية.إن كتاب (منع تدوين الحديث) قد لاقى اهتمام الباحثين في الوطن الإسلامي وخارجه، فهم ما بين مؤيد له وبين مخالف، لأن الكاتب كان قد طرح في كتابه رؤية جديدة في سبب منع الشيخين من تدوين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، موضحاً فيه ارتباط هذا المنع وتأثيره على قيمة المجاميع الحديثية الموجودة اليوم عند المسلمين -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 8 -------------------------------------------------------------------------------- مؤكداً على إحدى المجموعتين بأنها هي الأوثق والأقرب للواقع والأبعد عن الدوافع.فإنّ طرح مسألة مهمة كهذه لحري أن يلاقي التأييد والتشجيع من البعض والمضادة والمخالفة من الآخر، لأنّه يرتبط بثاني أصل من أُصول التشريع الإسلامي ألا وهو السنّة النبوية المطهرة.وقد تجاوز النقاش حول هذا الكتاب من مجالس الفضلاء وأندية الباحثين إلى أروقة الجامعات والرسائل الجامعية، فقد كتب عماد السيد الشربيني كتاباً أسماه (السنّة النبوية في كتابات أعداء الإسلام) أشار فيه إلى عقائد الشيعة الإمامية وآراء مؤلف هذا الكتاب على وجه الخصوص كما أشار إلى آراء غيره ممن سماهم أعداءً للسنّة المطهرة.وقد انبرى بعض الفضلاء وهو الأُستاذ الكاتب الشيخ قيس العطّار للإجابة عن إفتراءات الشربيني وتهمه الموجهة إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) على نحو الخصوص، مدافعاً عن السنّة النبوية ومبادئ الرسول الأعظم التي حملها أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، موجهاً عتابه إلى كلية أُصول الدين / الأزهر في كتاب أسماه (كتاب وعتاب / رسالة مفتوحة إلى كلية أُصول الدين ـ الأزهر) وذلك لاعتقاده بأنّ الكتاب لا يستحق الرد ولأجل ذلك وجه عتابه إلى مشايخ الأزهر وأساتذة كلية اصول الدين لا إلى الشربيني، وقد طبعت دارنا هذا الكتاب في العام المنصرم، ولاقى قبولاً حسناً واستقبالاً منقطع النظير من القرّاء الكرام.ولما كان موضوع كتاب الشيخ العطار يرتبط بكتاب (منع تدوين الحديث) في أحايين كثيرة وأن الأخير كان قد نفد من الأسواق فطلبنا من سماحة السيد المؤلف أن يجيزنا في طبعه للمرة الثالثة فاستجاب لطلبنا وله منّا جزيل الشكر وفائق الأمتنان.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 9 -------------------------------------------------------------------------------- مقدمة الطبعة الثالثةها أنا ذا أقدم للباحثين الطبعة الثالثة من كتابي وأنا مسرور بإقبال الباحثين والفضلاء والعلماء عليه، مشيراً إلى أن طلب (دار الغدير) في تجديد طبعه و(مؤسسة أنصاريان) في ترجمته إلى اللغة الإنجليزية كانا العاملين المحفزين اللذين دعياني لإعادة النظر فيما كتبته قبل سنوات حول منع تدوين الحديث.وقد سعيت أن لا تخرج تصحيحاتي وملاحظاتي على الكتاب ـ في إطارها العام ـ من الشكل والصورة إلى التأثير على الفكرة والمنهج، فصقلت بعض عبارات الكتاب، وأضفت بعض الشي إلى مادته الوثائقية، وحذفت الآخر منه، وقدمت بعض الجمل وأخرت أُخرى، وفتحت بعض أفكاري التي أحسست بأن فيها بعض الغموض على غير المختصين من القراء، فجاءت هذه الطبعة مزيدة منقحة والحمد لله.وحيث أن محاولتي ـ فيما أعلم ـ كانت الأولى من نوعها; لأن ربط قضية منع تدوين الحديث بتاريخ الإسلام والاختلافات الناتجة بعدها ثم التركيز على الأصول العقائدية والبنى التحتية للأفكار المتوارثة عند المسلمين وكيفية تأسيس الأصول في الشريعة واختلاف المناحي الفكرية عند المسلمين كل ذلك مع إعطائنا تفسيراً فكرياً عقائدياً اجتماعياً للأحداث أخرجت قضية منع تدوين الحديث من كونها بحثاً في قضية علمية تخصّصية جافة إلى بحث استراتيجي حيوي في الشريعة والحياة.ولست أدعي بأني قد أحطت بكل جوانب هذه المسألة لكني بذلت ما في وسعي -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 10 -------------------------------------------------------------------------------- للوصول إلى الحقيقة المنشودة، راجياً من الله أن يكون الصواب حليفي، وإلاّ فلتسعه عين الرضا.ومما يجب أن لا نتغافله هنا هو شكرنا لجميع من تفاعل معنا في هذه الدراسة من باحثين وعلماء وكتاب ومفكرين ـ سنة وشيعة ـ خصوصاً الذين أبدوا آراءهم حول الكتاب سلباً أو إيجاباً وصحة أو سقماً فإن ملاحظات أمثال هؤلاء قد خدمت الفكرة وطورتها وسدت لنا بعض الفجوات، أخص بالذكر فضيلة الأخ المحقق شاعر أهل البيت (عليهم السلام) الشيخ قيس العطار الذي قرا الكتاب من اوله الى آخره(1)وأفادني بملاحظاته وتعليقاته فلله دره وعليه أجره.كما أشكر الأخوين العزيزين سمير الكرماني وأحمد البياتي لضبط الأول نصوص الكتاب وتوحيده لمصادره وطبعاتها، واعتناء الثاني بصف حروف هذه الطبعة.سائلاً سبحانه أن يوفق جميع العاملين في حقل الفكر والتراث الإسلامي.____________1- حينما قرر الرد على الشربيني.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 11 -------------------------------------------------------------------------------- المقدمةالحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمّد خاتم النبيّين وإمام المرسلين وعلى آله الطيّبين وصحبه المنتجبين إلى قيام يوم الدين، وبعد:إنّ ممّا لا ريب فيه هو: أن الأديان السماويّة جميعاً كانت تبتني على أُسس فكريّة ومبان تشريعيّة وأُصول محكمة في طرحها النظرىّ والعملىّ لمسألة الدين وما فيه صلاح للبشر.ولا يخفى أنّ الدين الإسلامىّ الحنيف كان في طليعة الأديان السماويّة، وأكثرها احتكاكاً بالحياة، وأنجحها تطبيقاً لمبادئه على الصعيد العملىّ، باعتبار تصدّيه لريادة وقيادة مختلف الأمم على مدى عصور متتالية.فمن المنطقىّ إذاً أن يمتلك هذا الدين الرصيد الأعلى من الأسس والمباني والأصول في تفكيره وطرحه، فكان الكتاب العزيز والسنّة النبويّة الشريفة هما أول وأكبر منهلين استُلهِمت منهما بيانات وأحكام الدين الإسلامىّ.وقد انفرد هذا الدين العظيم عن الأديان السماويّة بأن تكفّل الله سبحانه وتعالى حفظ كتابه من الضياع والاندثار والتحريف، فقال سبحانه { إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون }(1) فلم يكن مصير القرآن المجيد مصير التوراة والإنجيل وباقي الكتب السماويّة التي طالتها يدُ التحريف والتزييف والتبديل.____________1- الحجر: 9.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 12 -------------------------------------------------------------------------------- إلاّ أنّ المصدر التشريعىّ الثاني أعني سنّة رسول الله قد مُني بالوضع والتحريف من لدن عهده (صلى الله عليه وآله). وقد نبّه (صلى الله عليه وآله) على ذلك فقال: (مَن كذب عَلَيَّ متعمّداً فليتبوَّأ مقعده من النار)(1) ولأجله ولأجل غيره من الأسباب نراهم يقولون عن السنّة النبويّة: إنّها ظنّيّة الصدور!وقد أثّرت تلك الاختلافات التي ابتُليت بها السنّة النبويّة على باقي مصادر التشريع، فصار كلّ فريق يفسّر ويُؤَوِّل الآيات بما يطابق مرويّاته، ويدّعي أنّ ذلك هو المراد منها، وربّما نحا بعض آخر منحىً سلبيّاً حين ظنّ أنّ ما يقنّنه من أُصول وقواعد وكليّات يغني عن المرويّات ويحلّ محلّ اختلافاتها، وبذلك تشعّب الخلاف وامتدت جذوره في أغلب الأصول والفروع.وانشعبت الأمّة الإسلاميّة إلى مذاهب وفرق، كلّ واحدة تدّعي أنّها تسير على هدى القرآن ونهج الرسول، وأنّ الحقّ بجانبها، وأنّ السنّة بأنقى صورها عندها.فهل يمكن تصديق الجميع والقول بأنّ اتّجاهات جميع الطوائف صحيحة وأنَّ الله ورسوله مَنَحاها الحجّيّة، أم أنّ الحقّ واحد يجب العثور عليه؟!وهل يصحّ ما قالته كلّ فرقة عن الأخرى أم لا؟وهكذا ظلّ النزاع يدور في حلقة مفرغة من الأخذ والردّ عند الاتّجاهات المختلفة، والعقل السليم لا يمكنه أمام مثل هذه النزعات إلاّ أن يرجّح أحدها أو يميل إليه، إذ من غير المعقول أن تصحَّح جميعاً، ولا أن تُغلَّط جميعاً، لأنّ الحقّ واحد، وأنّ الفرقة الناجية ما هي إلاّ واحدة فقط، وعليه فلا مفرّ للمسلم من وجوب البحث للعثور على السنّة الصحيحة الموصلة إلى الواقع الذي جاء به النبىّ (صلى الله عليه وآله).وهنا يكون مدارُ البحث لا عن حجّيّة السنّة النبويّة، لأنّ حجّيّتها لا يختلف فيها ____________1- صحيح البخاري 1: 52 باب اثم من كذب علي النبي ح 107 و108، وصحيح مسلم 1: 10 باب تغليظ الكذب على رسول الله ح 2، 3، 4.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 13 -------------------------------------------------------------------------------- اثنان من المسلمين(1)، وإنّما البحث عن (ما هو الحجّة) أي البحث في طرق الإثبات لا الحجّيّة، وبتعبير آخر: أىّ نقل من النقول النبويّة هو الحجّة؟!ربّما يقال في الإجابة: إنّ ما صحّ من الأحاديث الواردة في شتّى الموضوعات طبقاً للقواعد الرجاليّة، هو الصحيح، وما لم يصحّ فهو غير ذلك، ولا سبيل سوى طرحه وعدم العمل به.وهذا الكلام قد يبدو صحيحاً لأوّل وهلة، لكنّ البصير بأُمور الشريعة يعلم بأنّ الأصول المرسومة في معرفة الحديث لم تقتصر على الإسناد، فهناك ضوابط ومعايير يلزم مراعاتها في المتن كذلك.على أنّ بعض الأصول والمقاييس الرجاليّة قد قنّن طبق موازين خاصّة وأنّ المعايير العلميّة والأصول القرآنيّة لم تكن الحاكمة فيه، بل نجد الاختلاف والتضارب واضحاً في توثيق أو تجريح الراوي الواحد بل جرحهم لأئمّة المذاهب(2).وبعد هذا فلا يقف الباحث إلاّ على ركام هائل وضباب كثيف من الموازين والمقاييس يغلب عليها الحسّ المذهبىّ السياسىّ، فكم من راو وثّقوه وعدّلوه فلم يكن كما قالوا فيه، طبقاً لما دلّت عليه نصوص أُخرى.وكم من راو جرحوه فلم يُصيبوا الغرض، وكم من رواية صحّحت سنداً لكنّها ____________1- اذ لا عبرة لمن شذ منهم وقال بالاكتفاء بالقران فقط خصوصاً من ظهر بأخرة وجاهر بانكار السنة.2- اذ خدش ابن معين وأحمد بن صالح في الإمام الشافعىّ (انظر هامش تهذيب الكمال 24: 380)، وذكر الخطيب البغدادىّ أسماء الذين ردّوا على الإمام أبي حنيفة (تاريخ بغداد 13: 366 وفيه اسم 35 رجلاً) وقال الرازي في رسالة ترجيح مذهب الشافعىّ ما يظهر منه أنّ البخارىّ عدّ أبا حنيفة من الضعفاء في حين لم يذكر الشافعىّ هناك، وقال السبكىّ في طبقاته: إنّ أبا علي الكرابيسىّ كان يتكلم في الإمام أحمد (طبقات الشافعيّة 2: 118)، وقد قدح العراقىّ (شيخ ابن حجر) في ابن حنبل ومسنده (انظر فيض القدير 1: 34)، وذكر الخطيب في تاريخه عدّة أسماء قد خدشوا في الإمام مالك (تاريخ بغداد1: 239، تهذيب الكمال 24: 415)، وقد خدشوا في الإمام البخارىّ والنسائىّ وغيرهم.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 14 -------------------------------------------------------------------------------- دلّت متناً على خلاف الواقع، وأُخرى أُسقطت سنداً لكنّها بلحاظ الواقع دلّت على أكبر رصيد من الصحّة.وعلى هذا، وبملاحظة ما مرّ من أدوار وجدنا أنّه لا بُدّ من دراسة السنّة النبويّة دراسة تمحيصيّة، طبق منهج أكثر جدّة وجدّيّة، انطلاقاً من الأصول الثابتة في الشريعة والتاريخ والعقل والفطرة، عبر دراسة أطراف الحدث المرتبط بالحديث والأجواء الحاكمة وما أُريد لها من أهداف.وهذا لا يعني أنّا نريد إلغاء دور السند في معرفة الحديث، بل الذي نريده هو الاستعانة بشواهد وقرائن أُخرى لتصحيح منحى بعض الأخبار التي لم تُعطَ حقّها من قبل بعض المسلمين.وعلى كلّ حال فقد آل الأمر اليوم إلى أن نرى مجموعة من المسانيد الحديثيّة تسمّى: بـ (الصحاح الستّة) يعمل بها فريق ضخم من المسلمين ولا يرتضون سواها ولو كان إكسيراً مجرّباً، ونرى في جانب آخر مسانيد اُُخرى تسمّى بـ (الكتب الأربعة) يعمل بها فريق آخر من المسلمين ويذهبون إلى أنّ منها ما هو أصحّ الأحاديث وأنّها أبعد شي عن الوضع والتحريف والتأثّر بالمؤثّرات الخارجيّة، فما هو الصحيح؟ وأين هو؟وهل أنّ جميع أحاديث الصحاح الستّة صحيحة حقّاً؟ أم أنّ بينها ما هو الضعيف والمرسل وو... ممّا يجب التوقّف عنده؟وكيف نرى النقل عن أهل البيت، هل جميعه صحيح؟ أم أنّ بينه المدسوس والضعيف؟من الضروري الإجابة عن هذه التساؤلات، وذلك بعد عرض جذور القضيّة المبحوث عنها في النصوص التاريخيّة والحديثيّة.ولعلّ أهمّ وأبرز حدث أثَّر في السنّة النبويّة ـ نصاً ومعنى ـ هو منع الشيخين -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 15 -------------------------------------------------------------------------------- التدوين والتحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودورهما في تطبيق هذه الرؤية واستمراره في عهد الخليفة عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان، ثمّ اتّخذه الخلفاء من بعدُ منهجاً يُعمل به حتّى أوقفه الخليفة عمر بن عبد العزيز وأمر بتدوين الحديث.على أنّ هناك جماعة من كبار الصحابة والتابعين قد اتّخذوا التدوين مسلكاً ومنهجاً حتّى على عهد الخليفة عمر بن الخطّاب الذي عُرف بشدّته وقسوته على من يخالفه في آرائه، ومن أُولئك: علىّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدرىّ، وفاطمة الزهراء، وأبو ذرّ، وغيرهم.فترى هؤلاء يدوّنون ويحدّثون ولا يرون مبرّراً للمنع، ولا يعيرون لرأي الشيخين ـ ومن مَنَع تبعاً لهما ـ القدسيّة التي لا يمكن معها من مناقشتهما. كما أنّهم لم يخشوا ما خشيه آخرون، ومن هنا حدث التخالف في الرأي بين النهجين، هذا يُحَدِّث ويكتب ويدوّن، وذلك يقول بالإقلال أو بمنع التحديث والكتابة والتدوين، وارتسمت أُصول الطرفين الفكريّة.فلابدّ إذاً من إمعان النظر في المدرستين الحديثيّتين للتعرّف على أيّهما ألصق بالواقع وأبعد عن الدوافع، ولا ينبغي أن يكون هذا الإمعان والتقييم لمناهج المدرستين تخرّصاً وتقوّلاً بقدر ما يكون دراسة للظروف الحاكمة آنذاك، وتجسيماً لنفسيّة الرجال المعنيّين في الدراسة على مختلف أصعدة حياتهم، فنحن لا نذهبُ إلى كفاية الاقتصار على مجرد إطلاق لفظ العدالة والوثاقة و... أو معاكساتها دون إلمام بكلّ ما يتعلّق بهذا الشأن; لأنَّ الكثير من الصحابة ـ كما صرّحوا ـ كانوا يروون الرواية مع عدم العلم بأنّ مفادها منسوخ أم لا؟أو أنَّ النصّ الذي قاله النبىّ هو من القرآن، أم من كلامه (صلى الله عليه وآله)؟أو أنَّ الحكم الوارد مخصوص به (صلى الله عليه وآله) أو بشخص معيّن أم هو حكم عامّ لجميع -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 16 -------------------------------------------------------------------------------- المسلمين؟ومثل ذلك إفتاؤهم ببعض الآراء مع تصريحهم بأنَّ ما يقولونه لا مستند له من الشرع! فإن أصابوا فمن الله وإن أخطأوا فمنهم ومن الشيطان.فبسبب كلّ هذا رأينا من الضرورىّ القيام بدراسة شموليّة نوضّح فيها المجمل والمبهم من الأمور التي لابَسَت السنّة النبويّة ومنقولاتها، وندرسه وفق المنهجيّة العلميّة الجديدة للوقوف على الواقع، لأنّ القيام بدراسة مثلها يمكن أن يوقفنا على حقائق كثيرة.وسيتّضح من خلال الدراسة تخالفُ مرويّات المانعين، مع مرويّات المدوّنين المحدّثين عن رسول الله، كما ستتّضح أُمور كثيرة في التشريع، وفقه الصحابة، والاتّجاهات الفقهيّة التي كانت آنذاك، والدوافع التي تكمن وراء هذا الاتّجاه أو ذاك، وبالتالي سيتبين (ما هو الحجّة) من المرويّات في الصحاح الستّة والكتب الأربعة وباقي المسانيد الحديثيّة.وهنا نسير سويّة لنرى أثر منع التدوين على السنّة النبويّة وفي طيّاته أثر بل آثار منع التحديث أيضاً وما آلت إليه أُمور المسلمين الفقهيّة من خلال السنّة النبويّة المباركة.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 17 -------------------------------------------------------------------------------- أسباب منع تدوين السنّة الشريفة-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 18 -------------------------------------------------------------------------------- -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 19 -------------------------------------------------------------------------------- إنَّ موضوع نهي الشيخين عن تدوين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأمر عمر بن الخطّاب الصحابة بالإقلال من حديث رسول الله ـ كما في حديث قرظة بن كعب الأنصارىّ(1) لحرىّ بالبحث والدراسة، لأنّه يرتبط بتاريخ ثاني مصدر من مصادر التشريع الإسلامىّ، وإنّ دراستنا هذه وإن كانت دراسة تخصّصيّة تهمّ الباحثين، لكنّها في الوقت نفسه تعطي للمطالع صورة واضحة عن أهمّ قضيّة في تار يخ التشريع، وإنَّ توضيح مسألة مثل هذه كفيلٌ بأن يحلّ لنا كثيراً من القضايا والأمور المطروحة في مسائل الخلاف ويساعدنا على تفهّم واقع الاختلاف وجذوره.وأهمّ الأسباب المذكورة(2) في ذلك هي:السبب الأوّل: هو ما نُقل عن الخليفة أبي بكر.السبب الثاني: هو ما نُقل عن الخليفة عمر بن الخطّاب.السبب الثالث: ما ذهب إليه ابن قتيبة وابن حجر.السبب الرابع: ما نقله الأستاذ أبو زهو والشيخ عبد الخالق عبد الغني.السبب الخامس: ما ذهب إليه الخطيب البغدادىّ وابن عبد البرّ.السبب السادس: ما ذهب إليه بعض المستشرقين.السبب السابع: ما ذهب إليه غالب كتّاب الشيعة.السبب الأخير: ما توصّلنا إليه.____________1- الطبقات الكبرى 6: 7، جامع بيان العلم وفضله 2: 120، تذكرة الحفّاظ 1: 7، كنز العمّال 2: 284/4017، سنن الدارمي 1: 97، باب من خاف الفتيا مخافة السقط، ح 279، وانظر تاريخ الطبري 2: 567 كذلك.2- المقصود بالاسباب هنا الاقوال المطروحة لا الاسباب الحقيقية بالدقة العلمية.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 20 -------------------------------------------------------------------------------- هذا، وإنّ مناقشتنا لهذه الأسباب جاءت لتفهّم واقع التشريع الإسلامىّ وملابساته، ولم نقصد به التعريض بمكانة أحد، إذ الميدان ميدان بحث ومناقشة، والعصر عصر منطق ودليل، فطرح رأي أحد لا يعني التجاوز على حدوده والمساس بكرامته، بل الأقوال كلّها قيد البحث والمناقشة حتّى أنّنا لا نرى قولنا يبتعد عن هذا الأصل، لأنَّ الوصول إلى الحقائق ـ والحقائق الدينيّة على نحو خاص ـ يظل هو الهدف السامي للإنسان الذي يهمّه أمر المعرفة الصالحة، ويهمّه كذلك أمرُ تديّنه والاستعداد للقاء الله تعالى على بصيرة ويقين.إنّ عالم الحضور بين يدي الله عزّ وجلّ في الآخرة يقوم على الحقّ والصدق. ومن هنا كان على من يفكِّر جادَّاً في ذلكم الحضور الجليل المهيب أن يسعى للخروج من موازين دار الوهم والاشتباه إلى موازين دار الفضل والحقّ، والله جلّ جلاله المستعان، وهو الهادي إلى سواء السبيل.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 21 -------------------------------------------------------------------------------- السبب الأولما طرحه الخليفة أبو بكرويستنتج ذلك من نصّين:أ ـ ورد عن عائشة أنَّها قالت: (جَمَع أبي الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلّب كثيراً.قالت: فغمّني، فقلت: أتتقلّب لشكوى أو لشي بَلَغك؟فلمّا أصبح قال: أي بُنيّة، هَلُمِّي الأحاديث التي عندك.فجئته بها، فدعا بنار فحرقها.فقلت: لِمَ أحرقتها؟قال: خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنتُه ووثقتُ [ به ]، ولم يكن كما حدّثني فأكون نقلت ذلك) (1).ب ـ جاء في تذكرة الحفّاظ: ومن مراسيل ابن أبي مُليكة: (أنّ الصدِّيق جمع الناس بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنَّكم تحدّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً. فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه)(2).____________1- تذكرة الحفّاظ 1: 5، الاعتصام بحبل الله المتين 1: 30، الرياض النضرة 2: 144، حجّيّة السنّة: 394.2- تذكرة الحفّاظ 1: 2 ـ 3، حجّيّة السنّة: 394.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 22 -------------------------------------------------------------------------------- وقبل مناقشة النصّين، لنا استفهامان لابدّ من الإجابة عنهما:الأوّل: هل جمع الخليفة الأوّل أحاديثه في زمن الرسول الأعظم، وبأمر منه (صلى الله عليه وآله) ، أم أنّه قد جمعها بعده نظراً للظروف السياسيّة والحاجة الاجتماعيّة؟الثاني: هل وقع المنع من التحديث وكتابة وتدوين السنّة الشريفة في زمن متأخّر، أم أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد نهى عن الكتابة في عهده (صلى الله عليه وآله). كما نُقل عن أبي سعيد الخدرىّ، عنه (صلى الله عليه وآله): (ومَن كَتَبَ عنّي غير القرآن فَلْيَمْحُه)(1)؟من خلال تعبير النصّ الأوّل (جمع أبي الحديث) يمكن أن نستشم أنَّ تدوين الحديث من قبل الخليفة جاء لاحقاً، خصوصاً حينما عرفنا أنّه أخذها من بعض الرجال، لقوله (خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت، ولم يكن كما حدّثني، فأكون قد نقلت ذلك).فخشية الخليفة من نسبة تلك الأحاديث إلى رسول الله لقوله: (ولم يكن كما حدّثني فاكون قد نقلت ذلك)، لا يتلاءم مع فرض وقوع عمليّة الجمع في عهده (صلى الله عليه وآله) ، إذ لو كان الجمع في عهده (صلى الله عليه وآله) لأمكن للخليفة عرض المنقول على رسول الله (صلى الله عليه وآله) للتثبّت من المشكوك فيه.فإن قيل: إنّه فات عليه أن يعرض ما سمعه بواسطة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) للتأكد من صحّته أو عدمها، قلنا: إنّنا لا نعقل أن يخفى ذلك على أبي بكر مع قربه من النبىّ واستحكام الشكّ في نفسه، كما نستبعد أن يكون قد ترك هذا الأمر المهمّ وسوّف فيه حتّى كادت تدركه الوفاة، مع أنّ الصحابة كان لا يخفى عليهم ضرورة أن يسألوا النبىّ (صلى الله عليه وآله) في أبسط المسائل وعند أدنى شكّ.وأمّا إحراق الأحاديث وتخوّفه من انتسابها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقوله:____________1- صحيح مسلم 4: 2298، باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، ح 3004، مسند أحمد 3: 12، 21، 39 باختلاف يسير، تقييد العلم: 29، مقدمة ابن الصلاح: 119.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 23 -------------------------------------------------------------------------------- (فأكون قد نقلت ذلك) وتقارب ذلك مع موت الخليفة: (خشيت أن أموت) فإنّها توضَّح أنّ الخليفة قد جمعها في أواخر عهده، وأنّه لم يسمع منها حديثاً واحداً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مباشرة، وإلاّ فكيف يبيح لنفسه حرق ما سمعه شفاهاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!مضافاً إلى ذلك: أنّ الخليفة لو كان قد جمع تلك المرويّات في عهد النبىّ (صلى الله عليه وآله) لذكر ذلك المؤرِّخون وأصحاب السِّيَر، ولما تقَّلبَ ليلته!ولَمَا شكّ في جواز التدوين وعدمه بعد ذلك!ولَجَاءَ في كلام عائشة: (إنّ أبي قد جمع الحديث في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ) أو (أملى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أبي، فكتب) أو ما شابه ذلك.نعم، إنّ الخليفة كان قد كتب لأنس بن مالك حينما كان عامله على البحرين كتاباً فيه فرائض الصدقة(1)، وقد كتب إلى عمرو بن العاص كذلك(2).وهذا لا ينافي ما نُقل عنه من إحراقه صحيفته، لأنّ ما كتبه لأنس كان عبارة عن كتابة في أمر الصدقة وجباية الأموال، وهو ممّا يقوّم أمر الدولة ولا يمكن للخليفة أن يتناساه، وقد جاء عن عمرو بن حزم أنّه كتب كتاباً فيه الصدقات عن رسول الله(3)، وأنّ للخليفة عمر بن الخطّاب كتاباً في نفس الأمر كذلك، كان موجوداً عند حفصة ثمّ عند آل أبي الخطّاب(4)، فالكتابة بما يقوّم أمر الدولة شي وما عُلِّل في منع التدوين شي آخر.أمّا الاستفهام الثاني: فيمكن الإجابة عنه بجلاء من خلال فعل الشيخين ____________1- صحيح البخاري 2: 527، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم ح 1386، تقييد العلم: 87، السنن الكبرى 4: 85، باب كيف فرض الصدقة ح 7038.2- موطّأ مالك: 1 / 5، ألف، كما في الدراسات 1: 94، ولم أجد الحديث في الموطأ.3- السنن الكبري 4: 91، باب كيف فرض الصدقة ح 7050.4- التمهيد لابن عبد البر 20: 139.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 24 -------------------------------------------------------------------------------- وسيرة المسلمين، فقد جمع الخليفة الأوّل خمسمائة حديث، وهذا دليل كاف على عدم ورود نهي منه (صلى الله عليه وآله) فيه، إذ لو كان قد صدر نهي سابق لما كتب الخليفة ما كتب من أحاديث.وهكذا الحال بالنسبة إلى الخليفة الثاني، إذ لو كان التدوين محظوراً من قبل لما جمع الصحابة واستشارهم بالأمر. ولما أرشدوه إلى التدوين(1).ولو تنزّلنا وقلنا بورود المنع عن الكتابة والتدوين عموماً وعن السـنّة خصوصاً، فما معنى ما صحَّ عنه (صلى الله عليه وآله) من أنّه أمَر المسلمين بكتابة (الأحكام التي قالها يوم فتح مكّة)(2)، أو أنّه ـ بعد هجرته من المدينة ـ أمر بكتابة أحكام الزكاة ومقاديرها، فكُتب في صحيفتين وبِقيَتا محفوظَتين في بيت أبي بكر الصدّيق وأبي بكر بن عمرو بن حزم(3)؟ وما معنى ما ثبت من قوله (صلى الله عليه وآله) (اكتُبوا ولا حرج) وما سـاوقها من العبارات الصر يحة في الحثّ على كتابة وتدوين الأحكام والسـنّة النبويّة؟وبهذا ندرك أنَّ شيئاً من ذلك ـ الكتابة والتدوين ـ لم يكن محظوراً في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأنّ الشيخين لم يكتبا ولم يدونا حديثه (صلى الله عليه وآله) في أيّام حياته، بل إنّ الخليفة الأوّل كتبها ودونها بعد وفاته (صلى الله عليه وآله).وإنّ الكـتابة، وتدوين العلم كان مـمّا أكّد عليه القرآن الحكـيم بقـوله: { ن! والقلم وما يسطرون }(4) و{ الذي علّم بالقلم }(5) و{ لا تسئموا أن تَكْتُبوه صغيراً ____________1- الجامع لمعمر بن راشد 11: 257، باب كتاب العلم ح 20484 تقييد العلم: 49، حجّيّة السنّة: 395.2- صحيح البخارىّ 1: 53 باب كتابة العلم ح 112 و6: 2522، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ح 6486.3- تاريخ الفقه الإسلامىّ، للدكتور محمّد يوسف: 173.4- القلم: 1.5- العلق: 4.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 25 -------------------------------------------------------------------------------- أو كبيراً }(1) و{ فاكْتُبوه }(2) و{ عِلْمُها عند ربِّي في كتاب }(3).وإنّ العرب كانوا يُجِلُّون الكتّاب، ويميلون إلى الكتابة، وقد ذكر ابن حبيب البغدادىّ قائمة بأسماء الأشراف المتعلّمين وفقهائهم في العصر الجاهلىّ وصدر الإسلام(4).قال ابن سعد: (كان الكامل عندهم في الجاهليّة وأوّل الإسلام: الذي يكتب بالعربيّة ويُحسن العوم والرمي)(5).وفي مكّة(6) والمدينة(7) والطائف(8) والأنبار(9) والحيرة(10) ودومة الجندل(11) كانت تعقد الكتاتيب للدراسة; وجاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه أنشأ في مسجده صُفّة كان عبد الله بن سعيد بن العاص يعلِّم فيها الراغبين الكتابة والخطّ(12).قال الدكتور أحمد أمين: إنّ الأمّيّة لم تكن متفشّية بين العرب بالشكل الذي يتصوّره بعض الكتّاب والمستشرقين، وبخاصّة عرب الحيرة وبادية الشام; لأنّهم عاشوا زمناً طو يلاً مع جيرانهم الفرس والروم، وبحكم الظروف التي كانت تحيط بهم والمراحل التي مرّوا بها مع تلك الأمم المتحضّرة ليس من البعيد عليهم أن ____________1- البقرة: 282.2- البقرة: 282.3- طه: 52.4- انظر المحبر: 475 ـ 477.5- الطبقات الكبرى 3: 542.6- الطبقات الكبرى 3: 522، والقصد والأمم لابن عبد البرّ: 22.7- فتوح البلدان، للبلاذرىّ: 583 ح 1113، وانظر الطبقات الكبرى 3: 450 و465.8- فتوح البلدان، للبلاذرىّ: 579، ح 1103.9- عيون الأخبار 1: 43، القصد والأمم: 22، أبجد العلوم 2: 265.10- فتوح البلدان: 579، ح 1103، القصد والامم: 22، أبجد العلوم 1: 158.11- المحبر: 475.12- انظر الاستيعاب، لابن عبد البرّ 3: 920، ت 1556، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة 1: 47. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 26 -------------------------------------------------------------------------------- يتعلّموا الكتابة، وأن يأخذوا عنهم العلوم والعادات التي تمسّ حياتهم وتسهل لهم سبل العيش والحياة الحرّة الكريمة(1).فإذا كان القرآن يشرّع الكتابة والتدوين، والسنّة تُعنى بأمرهما حتّى تجعل فداء أسرى بدر من المشركين في مقابل تعليم كلّ واحد منهم عشرة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة(2)، فلا معنى إذَن للقول بمنع تدوين السنّة الشريفة من قبل رسول الله(صلى الله عليه وآله).ثمّ ألا يلفت أنظارنا السيرة العامة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحثّ على الثقافة والفكر والتعليم؟! ومن ذلك عتاب الرسول لأقوام، وقوله لهم: (ما بال أقوام لا يُفَقّهون جيرانهم، ولا يعلّمونهم ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟! وما بال أقوام لا يتعلّمون من جيرانهم ولا يتفقّهون ولا يتّعظون؟!...)(3).وقد سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفد عبد القيس: (كيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم وضيافتهم إيّاكم؟قالوا: خير إخوان، ألانُوا فراشنا، وأطابوا مطعمنا، وباتوا وأصبحوا يعلّموننا كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله).فأعجب النبىّ (صلى الله عليه وآله) وفرح بنا، ثمّ أقبل علينا رجلاً رجلاً يعرضنا على ما تعلّمنا وعلّمنا...(4)).وروى حذيفة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، قال: (اكتبوا لي من تلفّظ بالإسلام من الناس، فكتبنا له ألفاً وخمسمائة رجل)(5).____________1- فجر الإسلام: 13 ـ 14.2- الطبقات الكبرى 2: 22، انظر مسند أحمد 1: 247.3- الترغيب والترهيب 1: 71، مجمع الزوائد 1: 164.4- مسند أحمد 4: 206.5- صحيح البخارىّ 3: 1114، باب كتابة الإمام الناس ح 2895.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 27 -------------------------------------------------------------------------------- وقد دوّن أصحاب السير أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان له ستة وعشرون أو اثنين وأربعون أو خمسة وأربعون كاتباً للوحي(1).فإذا ضممنا هذا التأكيد على التعليم والتعلّم والقراءة والكتابة، إلى ما أسلفنا من أمر النبىّ بالكتابة والتدوين وممارسة الصحابة له على عصره (صلى الله عليه وآله) وبعده بمدّة ـ حتّى نهى أبو بكر عنه ـ علمنا أنّ نسبة منع التدوين والتحديث إلى رسول الله ما هو إلاّ مغالطة يهدف منها تصوير الإسلام بصورة مشوّهة، صارت مبرّراً لأعداء الإسلام في القول: بأنّ المسلمين يخالفون العلم، ولا يرتضون التحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتدوين السنّة، لأنّا نراهم ينقضون موقفهم ويذهبون إلى تدوينها لاحقاً؟! فلو كان جائزاً فلماذا منعوه، وإن كان ممنوعاً فَلِمَ دوّنوه؟!نعم، إنّ القول بمنع الكتابة والتدوين يناقض ما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) ، من قوله: (اكتبوا)(2) و(قيّدوا) (3) وقوله: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرجَ منه إلاّ حقّ)(4)، أو (استعن على حفظك بيمينك)(5). ومثل هذا كثير ممّا لا نريد الإطالة فيه.وإذا اتّضح ذلك، فلنناقش النصّ الأوّل متسائلين:لماذا بات الخليفة الأوّل ليلته يتقلّب كثيراً؟ألِعِلَّة كان يشكو منها، أم أنّ شيئاً خطيراً من أمر الخلافة وشؤون المسلمين قد ____________1- انظر السيرة الحلبية 3: 422.2- صحيح البخاري 1: 53، باب كتابة العلم ح 112، صحيح مسلم 2: 988، باب تحريم مكة وصيدها ح 1355، سنن الترمذىّ 5: 39، باب ما جاء في الرخصة ح 2667.3- المستدرك على الصحيحين 1: 188، كتاب العلم ح 362.4- المستدرك على الصحيحين 1: 187، كتاب العلم ح 359، تقييد العلم 80 ـ 81، مسند أحمد 2: 162، سنن الدارمي 1: 136، باب من رخص العلم، ح 484، جامع بيان العلم 1: 7.5- سنن الترمذىّ 5: 39، باب ما جاء في الرخصة فيه ح 2666، المعجم الاوسط 1: 245 ح 801 و3: 169 ح 2825.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 28 -------------------------------------------------------------------------------- أرَّقه وأذهب عنه النوم؟لقد وقفت سابقاً على كلام عائشة: (أتتقلّب لشكوى، أو لشي بلغك؟)، واستمعت لتعليل الخليفة.ترى هل يصحّ هذا التعليل الذي ورد عن الخليفة: (لم يكن كما حدّثني)؟وهل يسوّغ تعليله إحراق ما جمعه؟ولماذا يحرقه ولا يميثه بالماء، أو يدفنه في الأرض مثلاً؟!أمّا السؤال الأوّل: فبقرينة (فلمّا أصبح قال: أي بُنيّة، هلمّي الأحاديث التي عندك، فجئته...) نعرف سبب تقلّب الخليفة وأنّه لم يكن لعلّة كان يشكو منها أو لأمر يتعلّق بالغزوات والحروب، بل إنّه بات ليلته يتقلّب بسبب ما كان في هذه الصحيفة من أحاديث تخالف اجتهاداته، حتّى بات يعتقد أنّ نقل الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مدعاة للاختلاف، من دون فرق بين المفردات المحدَّث بها، وبدون تمييز بين ما سُمِعَ مباشرة عن النبىّ أو بواسطة; لقوله في مرسلة ابن أبي مُليكة: (لا تُحدّثوا شيئاً) في حين ثبت أنّ الخليفة كان لا يذهب إلى ذلك في بادىِ الأمر.وأمّا تعليله لإحراق الأحاديث بقوله: (خشيت أن أموت وهي عندي فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته،ووثقت [ به ]، ولم يكن كما حدّثني، فأكون نقلت ذلك).. فإنّ عدّة مؤاخذات ترد عليه:الأولى: كيف انقلب المؤتمن الثقة إلى غير موثوق ومؤتمن؟ثمّ أيحتاج أبو بكر ـ وهو بقرب النبي في المدينة المنوّرة ـ أن تكون بينه وبين رسول الله في الحديث واسطة؟!إنّ ما يقال من ملازمة أبي بكر للنبىّ طيلة حياته لا يتلاءم مع احتياجه في النقل عنه (صلى الله عليه وآله) إلى واسطة، إذ إنّ ملازمته للنبىّ تنفي الحاجة إلى الواسطة في النقل، وخصوصاً لمن يقال إنّه أوّل من أسلم!!-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 29 -------------------------------------------------------------------------------- الثانية: إذا كان ناقل الخبر ثقة مأموناً لقوله (ائتمنته ووثقت [ به ])، فهل يمكن أن نسقط مرويّاته عن الاعتبار ولا نأخذ بها، بمجرّد احتمال الكذب أو السهو؟ألم يكن لازم هذا القول إنكار حجّيّة خبر الثقة، ولا يمكننا بعده أن نعتمد على خبر أىّ ناقل لإمكان احتمال الكذب فيه؟روى رافع بن خديج، قال: مرّ علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً، ونحن نتحدّث، فقال: ما تحدّثون؟فقلنا: ما سمعنا منك يا رسول الله.قال: تحدّثوا، وليتبوّأ مقعده من كذب علىّ من جهنّم!ومضى لحاجته، وسكت القوم، فقال (صلى الله عليه وآله): ما شأنهم لا يتحدّثون؟!قالوا: الذي سمعناه منك يا رسول الله!قال: إنّي لم أُرِدْ ذلك، إنّما أردتُ من تعمّد ذلك، فتحدّثنا.قال: قلتُ: يا رسول الله! إنّا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟قال: اكتبوا، ولا حرج(1).وهذا النصّ صريح فيما قلناه، من أنّ التحديث والكتابة والتدوين كانت كلّها أموراً جائزة مشروعة في عهد النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، وأنّ جملة (تحدّثوا) تؤكد جواز التحديث مع لزوم التثبّت فيه حتّى لا يقع أحد في الكذب عليه (صلى الله عليه وآله) ، وأنّ احتمال كذب الراوي، أو التخوّف من الكذب لا يسوّغ للخليفة إهمال الحديث.بل إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا إلى التثبّت في نقل الرواية، لمعرفة صحيحها من سقيمها، ولم يُشرّع (صلى الله عليه وآله) سدّ باب الرواية والتحديث، فكان على الخليفة أن يصحّح الأحاديث; إن كان فيها شي مكذوب حذفه، وإن كان فيها ما يوجب التوضيح وضّحه، وإن كان فيها أمر آخر أشار إليه، لا أن يُبيد ما جمعه، بفرض الشكّ ____________1- تقييد العلم: 73، المعجم الكبير 4: 276 ح 4410، الكامل لابن عدىّ 1: 36.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 30 -------------------------------------------------------------------------------- والاحتمال.إنّ العلم عموماً ممّا لا يستساغ محوه، فكيف بكلام النبىّ الكريم؟! وعلى هذا فالمرويّات ممّا لا يجوز إحراقها بحال من الأحوال، خصوصاً وأنّ أكثرها ممّا فيه اسم الله وأحكامه التي لا يجوز إهانتها بتاتاً. وإنّه إذا أراد إتلافها كانت أمامه سبل أُخرى لا غبار عليها، مثل محوها بالماء، أو دفنها في الأرض أو...ثمّ إنّ المسلمين أحسّوا بالترابط الجذرىّ بين التحديث والتدوين ـ وذلك يدلّ على وعيهم وثقافتهم ـ فسألوا النبىّ (صلى الله عليه وآله) عن جواز كتابة أحاديثه; إذ احتملوا أن يمنع أو أن يقيّده النبىّ (صلى الله عليه وآله) بقيود أو يشترط في كتابته شروطاً، فأجابهم النبىّ (صلى الله عليه وآله) بجواب (اكتبوا ولا حرج) فنفى الضير في الكتابة ورفَعَ الحرج، إذ على المسلم أن يتثبّت ممّا يكتبه ويدوّنه عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وأن لا يكتب ويدوّن المكذوب، وليس بعد هذا شرط.الثالثة: لو اعتقدنا أنّ احتمال الكذب يُسقط الرواية من الاعتبار كما قال الخليفة للزم طرح جميع ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصحاح والمسانيد; لإمكان ورود مثل هذا الاحتمال فيها، وهذا ممّا لا يقول به أحدٌ; لأنّ القول بذلك من شأنه أن يُسِقط أصلاً من أُصول التشريع الإسلامىّ، وأن يقضي على السنّة النبويّة الشريفة قضاءً تامّاً، وأن يُلغي كلّ الأحكام الفرعيّة المستنبطة من الأحاديث.ترى، كيف يقول الخليفة بهذا؟ أخفي عليه أنّ النبىّ (صلى الله عليه وآله) كان يعمل بإخبار الصحابة العدول فيما يتّصل بالتهيّؤ والإعداد للغزوات والحروب؟!وما مفهوم آية النبأ وآيات أُخرى إلاّ دليلٌ على حجية خبر الواحد وأنّ المسلمين كانوا يعملون بخبر العدول، ويتوقّفون عند خبر الفسّاق. بل إنّ السيرة العقلائيّة قاضية بالأخذ بخبر الثقة العدل ويبقى مجرّد احتمال الكذب أو الخطأ أو السهو أو... مرفوعاً بأصالة العدم في الجميع.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 31 -------------------------------------------------------------------------------- ولا ندري كيف نجمع بين ما ذهب إليه ابن حجر من أنّ الله قد نفى عن الصحابة: الكذب، والسهو، والريب، والفخر.. وبين شهادة الخليفة بما علمت، حيث ظنّ ببعض الصحابة ظنّاً ـ يتناول فيهم هذه الاحتمالات ـ ويرتقي إلى درجة الكذب، وأبو بكر أدرى بحال الصحابة كما هي عقيدة ابن حجر نفسه.ولو سلّمنا جدلاً أنّ مجرّد الشكّ والاحتمال يسقط الخبر عن الحجّيّة عند الشاكّ، فلا نسلّم سقوط الخبر عن الحجّيّة عند الآخرين غير الشاكّين في المرويّات، فكان على الخليفة أن ينقل المرويّات ويشير إلى شكّه فيمن شكّ فيه لعدم مطابقة إخباره للواقع، لأىّ سبب كان. وللمخبَر بالخبر أن يعمل به، أو لا يعمل وفقاً لما يفرضه عليه الدِّين.والثابت أنّ هذا التبرير ـ لو سلم ـ لا يوجب منع غيره، فالخليفة بمنعه كان يهدف المنع من التحديث مطلقاً لقوله في النصّ الثاني: (فلا تحدّثوا عن رسول الله).فلو كان التدوين جائزاً فما معنى النهي؟ ولو صحّ النهي عنه (صلى الله عليه وآله) فلماذا جمع أبو بكر خمسمائة حديث(1)؟!إنّ منع الخليفة من تناقل حديث رسول الله، وحرقه لما جمعه من أحاديث عنه (صلى الله عليه وآله) لا يستند إذَن إلى أصل شرعىّ.أمّا النصّ الثاني: فإنّه يجسِّم حال الأمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأنّ الخليفة أرجع سبب اختلافهم إلى اختلاف النقل عنه (صلى الله عليه وآله) ; لقوله: (إنَّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً).وحديث ابن أبي مليكة، وإن كان من المراسيل، إلاّ أنّه قد جاء في كلام الأعلام الذين تعرّضوا لمنع تدوين السنّة الشريفة.وفيه إشارة إلى أنّ اعتماد التحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصبح وسيلة مضادّة ____________1- كما مرّ في بداية السبب الأول النص (أ).-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 32 -------------------------------------------------------------------------------- للخلفاء(1)، وأنّ المسلمين سرعان ما أثّر فيهم فقد نبيّهم، فأحسّوا بضرورة حفظ سنّته، ومعرفة أحكام الدين التي بلّغها، فلذلك كانوا يُحَدِّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نشراً لأحكامه، وحفظاً لها من الضياع والدثور.وأنّ الصحابة باعتبارهم الجيل الأوّل، كانوا ملزمين ببيان الأحكام للناس، ورواية كلّ ما سمعوه من النبىّ (صلى الله عليه وآله) للجيل الجديد المسمّى بجيل التابعين، إذ إنّهم بأمسِّ الحاجة لمعرفة أحكام الدين من خلال أقوال النبىّ وأفعاله وتقريراته، ولا يتسنّى ذلك إلاّ بالأخذ من الصحابة العدول، الذين هم بمنزلة المحفوظات الحيّة عن رسول الله بعد كتاب الله المبين.وقد كان أبو بكر على علم بهذه الحاجة الدينيّة الماسّة من قِبَل التابعين، وبوجوب الإجابة من قبل الصحابة، وكان على علم أيضاً بمدى ضرورتها، وقد عبّر عنها في قوله: (فمَن سألكم فقولوا...).فمهما يكن الأمر، فإنّ الحاجة إلى التحديث من جهة ووجود الاختلاف في المرويّات من جهة أُخرى. كان أمراً مهمّاً قائماً لابُدّ من حلِّه بطريقة ما.وقد نحا الخليفة الأوّل منحى المنع من التحديث، والاقتصار على القرآن كحلّ لهذه الأزمة التي ظهرت بوضوح بعد فقد النبىّ (صلى الله عليه وآله) ; تخلّصاً من الروايات المختلفة التي يبدو أنّ الخليفة عجز عن الجمع بينها أو تنقيحها، ممّا اضطرّه إلى منعها جميعاً دون استثناء، خصوصاً مع علمه بتوسّع دائرة الخلاف بتطاول الأزمان في الحديث عن النبىّ (صلى الله عليه وآله).وموقف الخليفة أبي بكر، في منعه للتحديث، يثير عدّة إشكالات:أوّلها: إنّ النبىّ (صلى الله عليه وآله) كان يبعث أعيان الصحابة معلّمين للناس، ومنذرين. وكان يأمر الناس بالأخذ عنهم، والتفقّه على أيديهم، خصوصاً بعد (آية الإنذار).____________1- هذا ما سيتضح لك بالأرقام في الصفحات اللاحقة.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 33 -------------------------------------------------------------------------------- ومنع الصحابىّ من رواية ما سمعه والعمل به، يعني إلغاء وظيفة العالِم الشرعيّة في تعليم الناس وتبصيرهم. وأمّا حدوث التقوّل والافتراء من قبل بعض الصحابة، فهو يستدعي ردع المتقوّل ومنع المفتري ذاته من التحديث، ولا معنى لمنع الجميع.وأمّا إذا استعصى حكم ولم يُهتَد فيه إلى وجه الصواب، فبالإمكان الرجوع إلى النبىّ (صلى الله عليه وآله) ما دام حيّاً. والرجوع بعد وفاته إلى مشاورة سائر الصحابة ممّن سمع في ذلك أثراً عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) للاطمئنان وللتأكُّد من صحّة النقل، وهو ما رأيناه عند بعض الصحابة.ثانيها: إنّه كان بإمكان الخليفة جمع الصحابة ضمن لجنة، والاستماع إلى منقولاتهم، وتثبيت ما هو الصحيح، وحذف المشكوك فيه(1); توحيداً للمنقول عنه (صلى الله عليه وآله). وكان ذلك الأمر سهلاً يسيراً; لأنّ الصحابة لم يذهبوا بعدُ في أقطار الأرض للغزو والفتح كما حدث بعدئذ في زمن عمر، ولم يفصل بينهم زمن طويل عن زمان النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، ممّا يعني قلّة نسيانهم وندرة خطئهم، ووجود فرصة ذهبيّة لتوحيد نقولاتهم بأيسر سبيل، خصوصاً مع إمكان التعرّف على حال الراوي من قريب دون تعدّد الوسائط في النقل، إذ أنَّ أغلبهم ما يزال في المدينة على قيد الحياة.ثالثها: إنّ المنع من التحديث، وبتطاول الأمد، سيضاعف من عدد الأحكام المجهولة عند المسلمين، وذلك ما يحدو بهم أن يستنبطوها من المسلّمات والمرويّات العامّة، وبذلك تختلف وجوه الاستنباط وتتعدّد وجهات النظر، بينما ينتفي كلّ هذا الاختلاف لو كان التحديث محكماً والتدوين جارياً.ونظراً لالتفات الخليفة إلى نقطة: (الناس بعدكم أشدّ اختلافاً) كان لزاماً عليه ____________1- هذا على أسوأ التقادير، وإلاّ فإنه لا يجوز حذف حتى المشكوك; وذلك لاحتمال صدوره عن الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وهذا هو الذي يدعو محدثي أهل القبلة سنة وشيعة إلى أن لا يتناسوا حتى الأحاديث الضعيفة في مصنفاتهم الحديثية.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 34 -------------------------------------------------------------------------------- أن لا يترك الناس يتخبّطون في الجهالة فيما يتّصل بالأحكام الشرعيّة، أو يرتكسون في اختلاف أدهى وأمرّ، بسبب ظهور حالة تعدّد وجهات النظر الشخصيّة لكلّ مستنبط، وقد ساهم هذا المنع في أن لا يُروى عن أبي بكر إلاّ مائة واثنتان وأربعون رواية ـ كما قال ابن حزم(1).فلو قيست المرويّات المجموعة مع ما قد أُتلف منها لاستبان أنّ ما أُتلف وأُبيد كان كثرة كاثرة.رابعها: إنّه لا يمكن منع التحديث بالأحاديث مع العلم القطعىّ باحتوائها على أُ مّهات المسائل ممّا يحتاجه المسلمون في حياتهم الدينيّة والدنيويّة، إذ أنّ إضاعة الأحكام وإبادتها يدخل في دائرة المحرّم والممنوع; لأنّه يؤول إلى إضاعة معالم الدين وأحكامه، فكان الموقف المناسب أن تُوَحَّد المرويّات وفقاً لمقياس ما يتّخذه الخليفة، وأن يلجم الكذّابين ويمنعهم من التحديث، وأن يرفع الخلاف الظاهرىّ بعرض الروايات على القرآن أو منقولات الصحابة الآخرين المتثبتين، إلى غير ذلك من سبل ضبط الحديث، والأخذ به ممّا يتّبعه المسلمون اليوم.ثمّ إنّ أمر الخليفة الصحابة أن يقولوا لمن يسألهم عن مسألة ما: (بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحِلّوا حلاله، وحرِّموا حرامه)... فيه مسامحة واضحة، إذ كيف يمكن معرفة الأحكام الشرعيّة من القرآن وحده دون الرجوع إلى السنّة الشريفة؟ ثمّ ألم يكن القرآن حَمّال أوجه، منه المجمل ومنه المبيّن، والمحكم والمتشابه، والعامّ والخاصّ، والناسخ والمنسوخ؟ فكيف يمكن الوقوف على حلال الله وحرامه من القرآن وحده؟! ثمّ كيف يكِلُ الناسَ إلى القرآن وهو القائل عن الكلالة: أقول فيها برأيي فإن كان صحيحاً فمن الله وإن كان خطأً فمن نفسي(2)!!____________1- راجع كتاب أسماء الصحابة، وما لكلّ واحد منهم من العدد لابن حزم الأندلسىّ.2- سنن الدرامي 2: 462، باب الكلالة ح 2972، تأويل مختلف الحديث 1: 20.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 35 -------------------------------------------------------------------------------- ولماذا تمنّى أن يسأل الرسول (صلى الله عليه وآله) عن الأنصار: هل لهم في هذا الأمر نصيب؟ وميراث الاثنتين ابن الأخ والعمة(1) و... بعد موته (صلى الله عليه وآله) إذا كان ما ورد في القرآن من حلال وحرام يكفيه؟!ولو صحّ قول الخليفة فبم نفسر إجماع المسلمين بشتى طوائفهم على ضرورة الرجوع للسنة لمعرفة الأحكام؟بل كيف نفسر كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث الثقلين المتواتر; حيث رسم أصلين أساسين لمعرفة الإسلام، وهما الكتاب والعترة؟ألا يعني ذلك أنّ العتِرة والسنّة ماثلان حاضران بين المسلمين، وأنّه لابُدّ من وجود مفسّر للقرآن من عترة وسنة استناداً إلى كلام النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، وهذا يعني مرّة أُخرى أنّه لا يمكن فهم أحكام الله من القرآن وحده.ولابدّ أنّ رسول الله كان قد أرشد المسلمين إلى سنّة واضحة وعترة شاخصة حين أرجع أُمّته إليهما.حديث الأريكة:ويذكّرنا قول أبي بكر في هذا السياق بحديث الأريكة الذي روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بطرق متعدّدة:حيث جاء في مسند أحمد، وسنن ابن ماجة، وأبي داود، والدارمىّ، والبيهقىّ(2)، ____________1- انظر تاريخ دمشق 30: 430، مجمع الزوائد: 203، المعجم الكبير 1: 63، ح 43، كنز العمال 5: 631، ح 14113، تاريخ الطبري 2: 620.2- مسند أحمد 4: 132، ح 17233، سنن ابن ماجة 1: 6، باب تعظيم حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتغليظ على من عارضه ح 12، سنن أبي داود 4: 200، باب في لزوم السنة، ح4604، سنن البيهقىّ 9: 331، جماع أبواب ما يحل ويحرم من الحيوان، ح 19252، دلائل النبوّة للبيهقي 1: 25، 6: 549، الإحكام لابن حزم 2: 210، فصل في قوم لا يتقون الله فيما ينسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ، الكفاية في علم الرواية: 23.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 36 -------------------------------------------------------------------------------- وغيرها: (أنّ رسول الله له قال: يوشك الرجل متّكئ على أريكته، يحدّث بحديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه من حلال أحللناه ومن حرام حرّمناه).وجاء في ذيل بعض النصوص السابقة: (ألا وإنىّ قد أُوتيتُ القرآن ومثله)(1).وفي آخر: (ألا إنّي أُوتيت الكتاب ومثله معه)(2).وفي ثالث: (يأتيه الأمر ممّا أمرتُ به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتّبعناه)(3).وروى الخطيب البغدادىّ في كتاب (الكفاية) عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لعلّ أحدكم أن يأتيه حديثٌ من حديثي، وهو متّكئ على أريكته، فيقول: دَعُونا مِن هذا، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه)(4).وروى ابن حزم بسنده عن العرباض بن سارية: أنّه حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب الناس، وهو يقول: (أيحسب أحدكم متّكئاً على أريكته، قد يظنّ أنّ الله تعالى لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في القرآن، ألا وإنّي والله قد أمرتُ ووعظتُ ونهيتُ عن أشياء، إنّها لمثل القرآن).قال ابن حزم: صدق النبىّ (صلى الله عليه وآله) هي مثل القرآن، ولا فرق في وجوب كلّ ذلك علينا. وقد صدّق الله تعالى هذا، إذ يقول: { مَن يُطعِ الرَّسُولَ فَقدْ أطاعَ الله }(5).وهي أيضاً مثل القرآن في أنّ كلّ ذلك وحي من عند الله تعالى، قال الله ____________1- مسند أحمد 4: 130، ح 17213، الكفاية للخطيب: 23.2- مسند أحمد 4: 130، سنن أبي داود 4: 200 / 4604.3- سنن ابن ماجة 1: 6 / 13، المستدرك 1: 190، ح 368، الكفاية للخطيب: 24، الفقيه والمتفقّه 1: 88.4- الكفاية: 26.5- النساء: 80.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 37 -------------------------------------------------------------------------------- عزّ وجلّ: { وما يَنْطِقُ عَنِ الْهوى * إن هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى }(1).وقبل أن نترك حديث الأريكة لنقرأ هذا النصّ.(فإذا كانت (الأريكة) كما يقول أهل اللغة: سريراً مُنجّداً مُزَيّناً في قُبّة أو بيت(2) أو مطلق (السرير) كما فسّر به الشافعىّ(3) والحازمىّ..(4) فإنّ أولى من تُهَيّأُ له إنّما هو الحاكم والخليفة الذي يحكم الناس ويتحكّم بأُمورهم. وإذا لاحظنا الفعل (يُوشك) الوارد في كلام الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو لفظ يستعمل للدلالة على قرب تحقّق العمل، لأنّه من أفعال المقاربة، وإذا بحثنا عن ذلك بين الخلفاء لما وجدنا أقرب عهداً إلى زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الخليفة الأوّل الذي قعد على أريكة الحُكم بعد النبىّ مباشرة، وتصدّى للحديث بعين ما أنبأ به النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، فيما رواه الذهبىّ: أنّ الصدّيق ـ أبا بكر ـ جمع الناس، بعد وفاة نبيّهم، فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: (بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله، وحَرِّموا حرامه)(5).إذا علمنا ذلك، اتضح لنا أنّ أبا بكر لم يأبَ أن يكون هو ذلك الرجل الذي أنبأ الرسول (صلى الله عليه وآله) بمجيئه، متّكئاً على أريكته، مجابهاً الحديث بقوله: (بيننا وبينكم كتاب الله...).فكان هذا من أعظم دلائل النبوّة وأوضح أعلامها(6).____________1- الأحكام، لابن حزم 2: 159، فصل فيما ادعاه قوم من تعارض النصوص، والآيتان من سورة النجم: 3، 4.2- مختار الصحاح 1: 6، مادة أرك.3- الرسالة للشافعىّ: 91، باب ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله، مناقب الشافعىّ للبيهقىّ 1: 330.4- الاعتبار: 7.5- تذكرة الحفّاظ 1: 2 ـ 3.6- انظر دلائل النبوّة للبيهقىّ 1: 24 و6: 549.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 38 -------------------------------------------------------------------------------- والغريب أنّ التاريخ لم يحفظ لنا معارضة للحديث من حاكم مقتدر أشدّ وأقرب عهداً من وفاة النبىّ (صلى الله عليه وآله) من أبي بكر ومن عمر بن الخطّاب. ومن هذا نفهم أنّ غيرهما لم يكن مقصوداً بهذه الأحاديث. وأمّا من جاء بعدهما فإنّما استَنّ بسنّتهما، ولم يمنع الحديث بأشدّ من منعهما)(1).أىُّ المنعَين أسَبقُ:بعد هذا كلّه نلتقي بمسألة أُخرى، هي: هل كان منع الخليفة للتحديث والكتابة والتدوين قد حدث في وقت واحد، أم على التعاقب؟ظاهر الأمر أنّ الخليفة الأوّل ـ لأسباب نذكرها في السبب الأخير ـ دوّن الحديث، ثمّ حظر التحديث أوّلاً، ولعلّه كان يتوخّى من ذلك الحظر ممارسة التشريع، والمحافظة على السلطة التشريعيّة، إضافة إلى ما له من سلطة سياسيّة، بمعنى أنّه كان ير يد توحيد السلطتين الإداريّة والتشريعيّة، ممّا يسهّل تثبيت الخلافة الإسلاميّة(2).وبعد أن مُنع التحديث تضاعفت الحاجة لكتابة وتدوين الآثار النبويّة، بسبب رحيل النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، أوّلاً، وبسبب حظر التحديث من قبل الخليفة ثانياً، وبسبب بروز اتّجاه الرأي وتحرّكه في دائرة الفراغ، ممّا اضطرّ بعض الصحابة إلى أن يكتبوا ويدوّنوا مسموعاتهم ويحتفظوا بها للأجيال القادمة، ولذلك ثنّى الخليفة أبو بكر بمنع الكتابة والتدوين بعد منعه التحديث.. وهذا التسلسل في المنع ليس بذي أهمّيّة بالغة إذا ما قيس بتأثير الحدث تاريخيّاً، لأنّ المنع بكلا شقّيه ـ التحديثىّ والكتابي التدوينىّ ـ كان في أمد لا يتجاوز الأربع سنين، وكانت هي البذرة الأولى في هذا السبيل، ثمّ ____________1- انظر تدوين السنّة الشريفة: 356 ـ 357، بتصرف.2- سيتّضح هذا المدّعى في السبب الأخير إن شاء الله تعالى.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 39 -------------------------------------------------------------------------------- سار على خطاها عمر بن الخطّاب، ومَن بعده من المانعين، واستمرّت ـ إلاّ في خلافة علىّ بن أبي طالب ـ حتّى فتح التدوين في زمن متأخّر من العهد الأموىّ.والواقع أنّ أبا بكر وعمر وعثمان نجحوا في منع التدوين نجاحاً كبيراً، ولكنّهم لم يلاقوا مثل هذا النجاح في منع التحديث; فالصحابة والتابعون وتابعوا التابعين لم يلتزموا بحظر التحديث، وإن كانوا قد تظاهروا بالانصراف عن التدوين، إلى أن فتح عمر بن عبد العزيز باب التدوين.وحين انفتح التدوين الحكومىّ ـ في زمن الأمويّين ـ صار مقدّمة لشيوع ظاهرة تدوين موضوعات الحديث على مصراعيه، ممّا أتاح للحكّام جمع أكبر عدد من المدوّنين ليدوّنوا لهم ما يروقهم من الأحاديث بعد أن كان الوضع قد تفشّى منذ أوائل العهد الأموىّ، وقد فصّلنا الكلام عن هذا في كتابنا (وضوء النبىّ)(1)، وقلنا إنّ معاوية أمر كعب الأحبار أن يجلس في المسجد ويقصّ للناس، كي يضع له ما يريد من أحاديث، ويعارض ما لا يعجبه منها، فكان أنْ وُضِعَ على لسان الرسول أحاديث كثيرة.من هنا يمكن أن نقول: إنّ رأي الخليفة أبي بكر هو رأي واحد، بكلا شقّيه. ومفاده الحَجْر على التحديث والتدوين، وإن كان قد علّل منعه للتحديث أوّلاً بتخوّفه من الاختلاف في المرويّات، وأدّاه ذلك إلى دعوته للأخذ بكتاب الله وحده.وقد استحكم الشكّ في قلبه ـ بسبب الاختلاف الذي منع على أساسه التحديث ـ فسرى حتّى شمل أصحابه العدول المؤتمنين، فغدا يُسقط جميع المرويّات، حتّى التي كتبها ودوّنها هو بنفسه، ولذلك تشدّد أكثر، وراح يحظر الكتابة والتدوين أيضاً بعد منعه التحديث.وقد قال الدكتور حسين الحاجّ حسن في كتابه (نقد الحديث) وهو في معرض ____________1- وضوء النبىّ: المدخل ص 256.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 40 -------------------------------------------------------------------------------- الكلام عن نشأة الحديث: (أمّا إذا انتقلنا إلى عصر الصحابة وجدناهم غالباً يكرهون تدوين الحديث، بينما يرغبون في روايته، وهو أمر غريب، يحبّون رواية الحديث ويكرهون تدوينه! سؤال يحتاج إلى بحث وتفسير)(1)!!هذا هو الظاهر الذي يمكن أن نفهمه من تعلِيلَي أبي بكر، مع أنّ واقع المنع يمكن أن يستند إلى أسباب أُخر، غير ما أظهره في هذين التعليلين، إذ أوضحنا سقوطهما عن الاعتبار بما مرّ من الإشكالات. أمّا الأسباب الواقعيّة للمنع، فسيأتيك وجهها في السبب الأخير إن شاء الله.وبذلك عرفنا أنّ تعليل الخليفة لمنع التدوين، تعليل غير مقنع، ولا يثبت أمام البحث والمناقشة.(2)____________1- نقد الحديث 1: 142.2- انظر زيادة في ذلك كتابنا (تاريخ الحديث النبوي، الموثرات في عهد أبي بكر) فإن فيه ما يبلور رؤيتنا بشكل أكثر وضوحاً فليراجع. -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 41 -------------------------------------------------------------------------------- السبب الثانيما طرحه الخليفة عمر بن الخطّابويمكن أن يستنتج هذا الرأي من نصّين:أ ـ عن عروة بن الزبير: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً، وقد عزم الله له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، فتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي والله لا أُلبِسُ كتابَ الله بشي أبداً(1).وروي عن يحيى بن جعدة: (أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّ بدا له أن لا يكتبها. ثمّ كتب في الأمصار: من كان عنده منها شي فليمحُه)(2).ب ـ عن القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بن الخطّاب بلغه أنّه قد ظهرت في أيدي الناس كتب، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيُّها الناس! إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب فأحبُّها إلى الله أعدلها وأقومها، فلا يُبقينَّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني به، فأرى فيه رأيي.قال: فظنّوا أنّه يريد أن ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتَوْه ____________1- الجامع لمعمر بن راشد 11: 257، مصنف عبد الرزاق 11: 258، باب كتابة العلم ح 20484، تقييد العلم: 49، المدخل إلى السنن الكبرى 1: 407.2- كنز العمال 10: 292، ح 29476، تقييد العلم: 53، حجّيّة السنّة: 395.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 42 -------------------------------------------------------------------------------- بكتبهم، فأحرقها بالنار!!ثمّ قال: أُمنية كأُمنية أهل الكتاب(1).وفي الطبقات الكبرى: (مثناة كمثناة أهل الكتاب)(2).ويحتمل أن تكون مصحّفة عن (مشناة) وهي روايات شفويّة دوّنها اليهود ثمّ شرحها علماؤهم فسُمّي الشرح جماراً، ثمّ جمعوا بين الكتابين فسمّي مجموعهما ـ الأصل والشرح ـ المشناة(3).وقال الدكتور حسن ظاظا: وإلى جانب الكتاب المقدس اليهودي، ظهرت بين اليهود على مدى عصورهم نصوص مقدسة اخرى اشهرها (المشنا) و(الجمارا) الاولى بالعبرية والثانية تفسير لها باللّغة الارامية، ومن كليهما معاً يتالف الكتاب الذائع الصيت المعروف في العالم باسم التلمود(4).ومن النصّين الانفين نفهم أنّ تعليل الخليفة لمنعه تدوين السنّة الشريفة ينحصر فيما يلي:1 ـ الخوف من ترك القرآن والاشتغال بغيره.2 ـ الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن.أمّا التعليل الأوّل: فيُرَدُّ عليه بأُمورٌ:أوّلاً: إنّ هذا التبرير صدر تحت قناعات سابقة ولظروف خاصّة. لقوله: (و إنّي ذكرتُ قوماً...). و(أُمنية كأُمنية أهل الكتاب).وسنشير إلى تلك الخلفيّات عند عرضنا للسبب الأخير.____________1- حجّيّة السنّة: 395.2- الطبقات الكبرى لابن سعد 1: 140.3- انظر الفكر الديني اليهودي للدكتور حسن ظاظا: 65 ـ 81. دلائل النبوّة لأبي نعيم: 638 ذيل رقم 428، والصحيح من سيرة النبىّ الأعظم 1: 59، الموسوعة العربيّة الميسّرة: 543 (تلمود)، تدوين السنّة الشريفة: 340، وموسوعة المورد 4: 199 (الجمارة).4- الفكر الديني اليهودي للدكتور حسن ظاظا: 65، 83.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 43 -------------------------------------------------------------------------------- على أنّ هذا التصوّر لا يُستساغ من قبل الخليفة فيما يتّصل بالصحابة الأوائل، لأنّ هذه العلّة ممّا لا تشملهم. هذا أوّلاً.ثانياً: يلاحظ أنّ هذا التعليل ينطوي على غير قليل من الغموض والإبهام، الأمر الذي يدعو إلى الشكّ في كونه السبب المباشر لمنع الخليفة، إذ لا ينكر أحد من المسلمين أنّ ترك القرآن والانصراف إلى سواه منهىٌّ عنه، وحرام شرعاً، لكنّ الادّعاء بأنّ الاشتغال بغير القرآن يؤدّي إلى تركه، خلط بَيِّن وكلام غير دقيق; إذ من الثابت أنّ ما يؤدّي إلى ترك القرآن هو ما يكون منافياً للقرآن، كالأخذ بالتوراة والإنجيل، وما فيهما من العقائد والآراء، وأمّا العناية بمفسِّر القرآن ومُبيّنه كما قال تعالى للنبىّ (صلى الله عليه وآله): { لتُبَيِّنَ للِنّاسِ }(1) وعدّه موجباً لترك القرآن وهجرانه فهو إيهام وخلط بين حقّ وباطل.. ذلك أنّ الإقبال على الحديث إقبال على القرآن الكريم في تفسيره والكشف عن مضامينه.ثالثاً: إنّ تعليل الخليفة هذا يستلزم اتّهام الصحابة بفقدانهم القدرة على التمييز بين كلام الله الذي حفظوه وتناقلوه، وبين كلام النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، الذي صدر في مقام التفسير والشرح. في حين نعلم أنّ النصّ القرآنىّ بصياغته الخاصّة وبلاغته المتميّزة وجذبته الروحيّة ممّا لا يخفى على أحد، وممّا لا يمكن الخلط بينه وبين الحديث. إذ الآيات القرآنية وحدة موضوعيّة مترابطة ونسيج متماسك يستحيل اختلاطه بغيره من الكلام، وإذا أمكن حصول الالتباس في كلمات منه أو آية مثلاً، وهل هي من القرآن أم من كلام النبىّ، فإنّ ذلك أمر جزئىّ يمكن علاجه بأن يأمر الخليفة بالتثبّت منه عن طريق سؤال أكثر من صحابىّ، كما فعل ذلك أبو بكر عند جمعه القرآن(2)، ولا يحتاج علاج هذه القضيّة البسيطة إلى تعميم منع التحديث والتدوين كما فعل ____________1- النحل: 44.2- الدر المنثور 4: 332، تحفة الاحوذي 8: 408، باب سورة التوبة، الاتقان 1: 162 ـ 163.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 44 -------------------------------------------------------------------------------- ذلك الخليفة عمر، ولذلك نرى أنّ أبا بكر لم يعلّل منعه للتدوين بالاختلاط لأنّه حلّ هذا الاحتمال ولم يحوجه إلى اتّخاذ أُسلوب الخليفة عمر.نعم، يصحّ هذا القول ـ على فرض التنزّل ـ لو اعتبرنا أنّ القرآن والحديث قد كانا بلا تمايز في صحيفة واحدة، ممّا هو مظنّة للخلط وفقدان للتمييز. لكنّ الواقع لم يكن كذلك، ولم يصنع هذا الصنيع المفترض أحد من المسلمين.وهذه كتب التفسير بالمأثور ماثلة بين أيدي المسلمين، ولم يقع الخلط فيها بين القرآن والأثر النبوىّ، رغم تطاول الأزمنة وامتداد العصور.وأمّا التعليل الثاني: وهو الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن ; لقوله: (لا أُلبس كتاب الله بشي). فيردُّ عليه بأُمور أُخرى، هي:أوّلاً: إنّ النصّ القرآنىّ يمتاز عن النصّ الروائىّ من حيث الأسلوب والبلاغة بمزايا ثابتة إذ أنّ الأوّل قد صدر على نحو الإعجاز، فتحدّى مشركي العرب ـ وهم أهل البراعة في البيان ـ أن يأتوا بمثله. وقد تكرّرت هذه الدعوة في القرآن بأساليب مختلفة وألفاظ قارعة كقوله { قُلْ فَأْتُوا بكتاب مِن عِند اللهِ هُو أهدى مِنْهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صَادقِيِنَ }(1).أو: { قُل لَئن اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ على أن يَأتُوا بمِثْلِ هذا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ ولو كانَ بَعْضُهُم لبعض ظَهيرا }(2).وفي آخر: { أمْ يقولون افتْرَاهُ، قُلْ فَأتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيات وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دونِ اللهِ إنْ كُنتمِ صادقِينَ }(3).وقوله: { وإنْ كنتم في ريب ممّا نَزَّلْنا على عبدِنا فاْتُوا بسورة من مثلهِ وادعُوا ____________1- القصص: 49.2- الإسراء: 88.3- هود: 13.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 45 -------------------------------------------------------------------------------- شُهداءكم من دونِ اللهِ إنْ كُنتم صادقين * فإن لَمْ تَفعلوا ولن تَفْعَلوا فاتّقُوا النّارَ التي وَقودُها الناسُ والحجارةُ أُعِدَّت للكافرين }(1).وقد أدهشهم القرآن في بلاغته وفصاحته وقوّة تأثيره حتّى قالوا: { سِحْرٌ مُسْتَمِرّ }(2)، بخلاف حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لم يكن في مقام التحدّي والإعجاز.ثانياً: إنّ كلام النبىّ (صلى الله عليه وآله) جاء على سبيل تبيين الأحكام، ولم يكن يُعْنَى بالصياغة البلاغيّة كما عني بتبيين الأحكام، مع الأخذ بنظر الاعتبار كون بعض الروايات التي صدرت عنه (صلى الله عليه وآله) كانت تُنْقَل بالمعنى.في حين نعلم أنّ المسلمين كانوا قد عرفوا القرآن وميّزوه وحفظوه، وكانوا يقدّرون منزلته الخاصّة في نفوسهم; لما جعل له من منزلة للمتعامل معه، فلا يمسّونه بدون طهارة لقوله تعالى: { لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرون }(3) وكانوا يتهادون آياته ويرتّلونها آناء الليل وأطراف النهار.وإذا كانت عنايتهم بالقرآن إلى هذا الحدّ، وأكثر من هذا الحدّ، فهل يتخوّف بعد ذلك من اختلاطه بالحديث؟!وكيف يخفى على الصحابة ما جاء على نحو الإعجاز من القول وبين ما لم يكن في مقام الإعجاز، حتّى يلزمنا القول بأنّ الصحابىّ لا يميّز بينهما؟!نعم، قد يقال إنّ كلام النبىّ (صلى الله عليه وآله) ليس مثل كلام سائر الناس، بل إنّه كلام سيّد البلغاء وأفصح العرب، وإنّه ليضاهي القرآن فصاحة وعمقاً ولذلك لا يتيسّر لجميع الناس التمييز بينه وبين القرآن، ومن أجله يُخشى من حصول الخلط بينه وبين ____________1- البقرة: 23 ـ 24.2- القمر: 2.3- الواقعة: 79.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 46 -------------------------------------------------------------------------------- القرآن!والواقع أنّ هذه المقارنة فيها كثير من التجوّز، وذلك لأنّ السنّة النبويّة هي (قول وفعل وتقرير). ولو جرينا مع أصحاب هذا القول لما صحّ أن ينطبق إلاّ على السنّة القوليّة أو بعض السنّة القوليّة، لأنّ بين تلك الأقوال الصادرة عنه (صلى الله عليه وآله) ما يجري مجرى الكلام المألوف من كلام الآدميّين مضافاً إلى أنّ الكثير من المرويّات عن الرسول كانت تنقل بالمعنى لا باللفظ.ثالثاً: لو سلّمنا بالقول السابق، فإنّه لا يستلزم القول بلزوم ترك الحديث صيانة للقرآن; لأنّ الحديث مفسِّر القرآن، وأنّ كتابته وتدوينه وكثرة مُدارسته ممّا يخدم المسلم في فهمه للقرآن، ولا تعارض بينه وبين القرآن.بلى، إنّ التثبّت في النقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو ما يجب أن يُصار إليه ويؤكّد عليه، وهو ما أكّده (صلى الله عليه وآله) بقوله: من كذب علىَّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار. والمتأمّل في هذه الجملة يراها تقرِّر إمكان مجاراة السنّة النبويّة والكذب عليها، بعكس القرآن الذي لا يمكن لأحد أن يضاهيه.بعد هذا نتساءل: كيف ينسب إلى الخليفة عمر بن الخطّاب جهله بهذه الحقائق الواضحة، حتّى يدّعي ما لازِمُه عدم الفرق بين بلاغة القرآن المعجزة وبين بلاغة النصّ النبوىّ الشريف؟!وكيف يُغفل عن أنّ القول بالاختلاط يؤدي إلى الكفر، وأنّ الذي يذهب إلى احتمال اختلاط القرآن بالسنّة يُعدُّ مكذِّباً لقوله تعالى { لا يأتيه الباطل }(1) وقوله { إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون }(2)، ومما لا يستبعد قوله هنا أن الخليفة عمر لجأ في تأصيل ما يقول به إلى تعليلات شتى كالخوف من اختلاط الكتاب بالسنة أو ____________1- فصلت: 42.2- حجر: 9.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 47 -------------------------------------------------------------------------------- أنه ذكر قوماً كانوا قبلهم أكبوا على كتب أحبارهم وتركوا كتاب ربهم أو تثبتاً في السنة، وبتعاليله تلك حدّ من تناقل الحديث عن رسول الله وضيّق الخناق على كل من له رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).ومهما يكن من أمر فإن منع عمر من التحديث والكتابة والتدوين جاء خلافاً لإجماع أهل القبلة بحجية خبر الآحاد، وخلافاً لغالب أهل السنة والجماعة المنعقد على عدالة جميع الصحابة، بل هو خلاف سيرة العقلاء القائمة على اعتبار أخبار الثقات، فالخليفة بعمله هذا قد أضاع كثيراً من الأحاديث النبوية الشريفة، وشكك في اصول مطروحة في الشريعة، لأن كثيراً من الصحابة سمعوا ما لم يسمعه غيرهم، وهذا يعني عدم جواز نقل ما سمعوا إلاّ بعد أن يأتوا بشاهد وبينة على صدوره عن رسول الله، وهذا ما لا يتأتى لغالبهم كما تأتى لأبي موسى الاشعري بالصدفة.ومن هذا كلّه نخلص إلى أنّ المبرَّرَينِ المطروحَينِ من قبل الخليفة عمر بن الخطّاب لمنع حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يكفيان في التعليل، فلنبحث عن مبرّر آخر قد نجد فيه الجواب المقنع.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 48 -------------------------------------------------------------------------------- -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 49 -------------------------------------------------------------------------------- السبب الثالثما ذهب إليه ابن قتيبة وابن حجرذهب ابن قتيبة(1) وابن حجر(2) وغيرهما(3) إلى أنّ النهي عن التدوين جاء لجهل الصحابة بالكتابة.بَيدَ أنّ هذا الرأي لم يثبت أمام النقد والتمحيص، وواجه العديد من الاعتراضات والردود، منها ردّ محمّد عجاج الخطيب، إذ قال:(لا يمكننا أن نسلّم بهذا بعد أن رأينا نيّفاً وثلاثين كاتباً يتولّون كتابة الوحي للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) ، وغيرهم يتولّون أُموره الكتابيّة الأخرى.ولا يمكننا أن نعتقد بقلّة الكتّاب وعدم إتقانهم لها، فتعميم ابن قتيبة هذا لا يستند إلى دليل)(4).وقال في كتاب (السنّة قبل التدوين): ونحن في بحثنا هذا لا يمكننا أن نستسلم لتلك الأسباب التقليديّة التي اعتاد الكاتبون أن يعلّلوا بها عدم التدوين، ولا نستطيع أن نوافقهم على ما قالوه من أنّ قلّة التدوين في عهده (صلى الله عليه وآله) تعود قبل كلّ شي ____________1- تأويل مختلف الحديث: 287، وانظر توجيه النظر للجزائرىّ: 10.2- هدي الساري: 4، وانظر فتح الباري 3: 345.3- كالذهبي في سير أعلام النبلاء 18: 541، وفي تذكرة الحافظ 3: 182 1، ترجمة أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي.4- أُصول الحديث وعلومه ومصطلحه: 146.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 50 -------------------------------------------------------------------------------- إلى ندرة وسائل الكتابة، وقلّة الكتّاب وسوء كتابتهم، لا يمكننا أن نسلّم بهذا بعد أن رأينا نيّفاً وثلاثين كاتباً يتولّون كتابة الوحي للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) وغيرهم يتولّون أُموره الكتابيّة الأخرى.ولا يمكننا أن نعتدّ بقلّة الكتّاب، وعدم إتقانهم لها، وفيهم المحسنون المُتْقِنون أمثال: زيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو بن العاص، ولو قبلنا ـ جدلاً ـ ما ادّعوه من ندرة وسائل الكتابة، وصعوبة تأمينها، لكفى في الردّ عليهم أنّ المسلمين دوّنوا القرآن الكريم، ولم يجدوا في ذلك صعوبة، فلو أرادوا أن يدوّنوا الحديث ما شقّ عليهم تحقيق تلك الوسائل، كما لم يشقّ هذا على من كتب الحديث بإذْن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فلابدّ من أسباب أُخرى...(1).وقال الدكتور مصطفى الأعظمىّ:... وإن أنكرنا معرفتهم بالكتابة فكيف نحكم بكتابة القرآن نفسه؟ أما كان الصحابة يكتبون القرآن أوّل بأوّل؟!ثمّ ما معنى (ولا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن؟) إذا كان الناس لا يقدرون على الكتابة فلا داعي للمنع البتّة.وهذا الحديث نفسه يشير إلى أنّهم كانوا يكتبون القرآن وغير القرآن أيضاً.ثمّ وجود عدد كبير من كتّاب النبىّ (صلى الله عليه وآله) وإدارة دولة عظيمة في عهد الخلفاء الراشدين تتطلّب وجود الكتّاب العارفين بالحساب وما شاكل ذلك.إذَن لا محيص من القول بأنّه كان هناك عدد وافر من الذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة حتّى عصر الصحابة أنفسهم. وسياسة النبىّ التعليميّة التي آتت أُكلها في عهد النبىّ نفسه لابدّ أن تكون قد أنتجت أضعاف ذلك بعد وفاته (صلى الله عليه وآله).إذاً ممّا لا شكّ فيه أنّه كان هناك عدد كاف من الصحابة في عصر النبىّ يعرفون القراءة والكتابة ولو أنّ الأغلبيّة لم تكن تعرف الكتابة. وبالرغم من هذا فإن الذين ____________1- السنّة قبل التدوين لمحمّد عجاج الخطيب: 301 ـ 302.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 51 -------------------------------------------------------------------------------- كانوا يعرفون كان فيهم الكفاية(1).ثمّ إنّ الأستاذ الخطيب أراد تشخيص السبب المقنع لمنع التدوين فعاد لذكر بعض الأسباب التقليديّة التي تهجم على الآخرين فيها فقال: لم يكن السبب في عدم تدوين السنّة رسمياً في عهده (صلى الله عليه وآله) جهل المسلمين آنذاك بالكتابة والقراءة، فكان فيهم القارئون الكاتبون الذين دوّنوا التنزيل الحكيم، بل كان ذلك لأسباب أُخرى، أهمّها: الخوف من التباس القرآن بالسنّة، وكيلا ينشغل المسلمون بكتابة السنّة عن كتابة القرآن ودراسته وحفظه..(2)!!ووقع في نفس هذا الخطأ الدكتور عبد الغنىّ، حين قال ردّاً على كلام ابن قتيبة: إنّ العمدة في ثبوت النهي حديث أبي سعيد الخدرىّ. والمتبادر منه: أنّه أجاز كتابة القرآن لمن نهاه عن كتابة السنّة. ولو كانت علّة النهي خوف الخطأ في الكتابة، فكيف يُجيز لهم كتابة القرآن؟(3)وقال السيّد هاشم معروف: ومن مجموع ذلك تبين أنّ الكتابة لم تكن بتلك الندرة بين المكيّين كما يدّعي البلاذرىّ في فتوح البلدان، حيث قال: لقد ظهر الإسلام وبين القرشيّين سبعة عشر رجلاً يحسنون الكتابة لا غير، وفي الأوس والخزرج سكّان المدينة أحد عشر رجلاً تعلّموها من جيرانهم اليهود. وإذا صحّ أنّ الذين كانوا يحسنون الكتابة لا يتجاوزون هذا العدد الضئيل فلابُدّ وأن تكون في غيرهم معدومة أو أقلّ من ذلك...(4)وقد مرَّ عليك كلام أحمد أمين في فجر الإسلام في ذلك(5).____________1- دراسات في الحديث النبوىّ 1: 73.2- السنّة قبل التدوين: 340.3- حجّيّة السنّة: 430 و444.4- دراسات في الكافي والصحيح: 14. أو دراسات في الحديث والمحدثين: 17.5- انظر فجر الإسلام: 13 ـ 14.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 52 -------------------------------------------------------------------------------- قال الدكتور صبحي الصالح في علوم الحديث ومصطلحه: (فإذا رأينا أنّ تعويل الصحابة في حفظ الحديث إنّما كان على الاستظهار في الصدور لا على الكتابة في السطور، صار لزاماً علينا أن نلتمس لتعليل ذلك غير الأسباب التقليديّة التي يشير إليها الباحثون عادة كلّما عَرَضوا لهذا الموضوع، فما نستطيع أن نتابعهم فيما يزعمون من أن قلّة التدوين على عهد رسول الله تعود بالدرجة الأولى إلى ندرة وسائل الكتابة، لأنّها لم تك قليلة إلى هذا الحدّ الذي يُبالَغ فيه، وهي على كلّ حال قلّة نسبيّة قد تكون أحد العوامل في إهمال تدوين الحديث، ولكنّها بلا ريب ليست العامل الوحيد، فما منعت ندرة هذه الأدوات صحابة الرسول من تجشّم المشاقّ وركوب الصعاب في كتابة القرآن كلّه في اللخاف والعُسب والأكتاف والأقتاب وقِطَع الأديم.ولو أنّ بواعثهم النفسيّة على تدوين الحديث كانت تضارع بواعثهم على كتابة القرآن حماسةً وقوّة لاصطنعوا الوسائل لذلك ولم يتركوا سبيلاً إلاّ سلكوها، بَيدَ أنّهم من تلقاء أنفسهم وبتوجيه من نبيّهم نهجوا في جمع الحديث منهجاً يختلف كثيراً عن طريقهم في جمع القرآن)(1).أمّا السيّد محمّد رضا الجلالىّ فقد علّق على رأي ابن حجر بقوله: والعجب من مُحَدِّث، رجالىّ، مؤرِّخ مثل الحافظ ابن حجر العسقلانىّ أن تخفى عليه حقيقة واضحة كهذه، فيقول: (لأنّهم، كانوا لا يعرفون الكتابة)! وهذا يعني جميعهم، كما هو المتبادر من كلامه.ولعلّ الحافظ السيوطىّ قد تنبّه إلى هذه الزلّة من ابن حجر، فعدّل عبارته، حيث يقول: (إنّ أكثرهم كانوا لا يحسنون الكتابة)(2).وبهذا عرفت أنّ إطلاق جهل الصحابة بالكتابة غير سليم; لأنّ من لا يجيد ____________1- علوم الحديث ومصطلحه: 6.2- تدوين السنّة الشريفة: 392 ـ 393، وقول السيوطىّ في تدريب الراوىّ 1: 88.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 53 -------------------------------------------------------------------------------- الكتابة لا يمكن أن يقال له: لا تكتب، فالنهي المزعوم عن التدوين بذاته دالّ على وجود المؤهّل منهم للكتابة، أو دالّ على وقوعها، وإلاّ فالنهي يكون لغواً، خاصّة إذا كان شديداً.وقال محقّق كتاب (ثبت البلدي) عند شرحه لحديث (لا تكتبوا عنّي شيئاً سوى القرآن ومن كتب فليمحه): فألفاظ الحديث تدلّ على وجود من كان يدوّن الحديث في حياة الرسول الاولى...(1)____________1- ثبت البلدي: 77 مقدّمة المحقق.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 54 -------------------------------------------------------------------------------- -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 55 -------------------------------------------------------------------------------- السبب الرابعما نقله الأستاذ أبو زهو والشيخ عبد الغنيّقال الأستاذ أبو زهو: وشي آخر جعل النبىّ (صلى الله عليه وآله) ينهاهم عن كتابة الحديث، هو: المحافظة على تلك المَلَكة التي امتازوا بها في الحفظ، فلو أنّهم كتبوا لا تّكلوا على المكتوب، وأهملوا الحفظ فتضيع مَلَكاتهم، بمرور الزمن(1).وقال الشيخ عبد الخالق عبد الغنىّ: القول الثاني: إنّه نهى عن كتابتها خوف اتّكالهم على الكتابة وإهمالهم للحفظ الذي هو طبيعتهم وسجيّتهم، وبذلك تضعف فيه ملكتهم.. ولذلك كان هذا النهي خاصّاً بمن كان قوىّ الحفظ آمناً من النسيان(2).وقال قبلها: الحفظ والكتابة يتناوبان في المحافظة على الشرع، وفي الغالب يضعف أحدهما إذا قوي الآخر. ومن هنا قد نفهم سبباً من الأسباب التي حملت الصحابة على حثّ تلاميذهم على الحفظ، ونهيهم إيّاهم عن الكتابة!وذلك: لأنّهم كانوا يرون أنّ الاعتماد على الكتابة يُضعف فيهم ملكة الحفظ، وهي ملكة طبعوا عليها، والنفس تميل إلى ما طبعت عليه، وتكره ما يخالفه ويضعفه(3).____________1- الحديث والمحدّثون: 123.2- حجّيّة السنّة: 428، وانظر تدريب الراوي 2: 67.3- حجّيّة السنّة: 405.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 56 -------------------------------------------------------------------------------- وقال الدكتور محمّد عجاج الخطيب: (وأبَوا أن ينكبّ أهل الحديث على دفاترهم ويجعلوها خزائن علمهم، ولم يعجبهم أن يخالف سبيل الصحابة في الحفظ والاعتماد على الذاكرة. وحُقّ لهم أن يكرهوا الاتّكال على الكتب، لأنّ في الاتّكال على المكتوب وحده إضعافاً للذاكرة، وانصرافاً عن العمل به)(1).وعلّق صاحب تدوين السنّة الشريفة على كلام الشيخ عبد الغنىّ بقوله: وهذا الكلام ليس فيه وراء الخطابة أمرٌ علمىّ ولا استدلال بشي، بل هو بعيد عن الموضوعيّة، حيث إنّ البحث إنّما هو عن حرمة التدوين! وأين هذا الكلام من ذلك، فهو إنّما ينفق في سوق الرغبات والطبائع وما تحبّ أو تكره!وهل هذا يوجب ترك أمر شرعىّ مهمّ ـ كالحديث ـ عرضةً للنسيان وغيره من آفات الذاكرة وعدم ضبطه وتوثيقه بالكتابة والتدوين(2)؟!ولنا مع هذا الرأي وقفتان:الاُولى: يردُّ هذا التوجيه لو فرضنا كون النهي قد صدر عن النبىّ (صلى الله عليه وآله) ، لكنّ هذا النهي ـ كما سترى فيما بعد ـ لم يكن شرعيّاً، ولم يصحّ ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) في هذا المورد، بل إنّ أحاديث النهي قد صدرت تحت ظروف سياسيّة وقناعات سابقة من أشخاص معيّنين أرادوا للتحديث والتدوين أن لا ينطلقا في عالم أرحب.الثانية: لو سلّمنا بصحّة هذا الرأي، فإنّ ذلك يستلزم أن تكون الكتابة محرّمة; مع أنّ كراهة الاتّكال على الكتابة لا تعني حرمتها، بل تعني عدم الرغبة فيها. فلو كانت محرّمة لما كتبها بعض الصحابة، ومن ثمّ كانوا إذا حفظوها مَحَوها، كما نقل ذلك ____________1- السنّة قبل التدوين: 333، وقد قال بهذا القول قبل هؤلاء السمعاني في أدب الإملاء والإستملاء: 146 والقاضي عيّاض في الإلماع: 149، وابن الأثير في جامع الاصول 1: 40، وابن الصلاح في مقدّمته: 301، وعلوم الحديث له: 192 وغيرهم.2- تدوين السنّة الشريفة: 370.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 57 -------------------------------------------------------------------------------- عن القاضي عياض(1).ثمّ ألا ترى القول بمنع تدوين الحديث بدافع المحافظة عليه أشبه شي بالتناقض؟! وكيف يُتَصوّر أن يحثّ المعلّم تلاميذه على العلم ويحرّضهم على صون محفوظاتهم من النسيان ثمّ يوصيهم ألاّ يدوّنوها ولا يتدارسوها؟!أليس صون العلم والمحافظة عليه بالكتابة والتدوين أولى وأجدى من حفظه واستظهاره؟!ولو تذكّرنا أنّ كلّ ما كُتِبَ قَرّ وكلّ ما حُفِظَ فَرّ، فَلِمَ التأكيد على حفظ الحديث وتجويزه من قبل الحفّاظ، والقول بأنّ منع الكتابة جاء للمحافظة على الذاكرة؟! وماذا نفعل بقوّة الحافظة لو مات الصحابىّ الحافظ؟!! ألم تكن الملائكة أكمل من بني الإنسان وأقدر منه على الحفظ، فلِمَ يكلفهم الله عزّ وجلّ بالكتابة مع ذلك ويقول: { كِراماً كاتِبين }(2)؟!.قد يقال: إنّ الحافظة ملكة يمكن أن تُدرَّب وتُشحَذ لتكون قويّة حادّة، كما هو شأن حاسّة السمع عند الأعمى التي تكون أقوى بكثير ممّا عند البصير، لأنّه غالباً ما يستعين بها بدل البصر المفقود، وكذا التاجر الأمّيّ; فإنّ حافظته لكثرة اعتماده عليها وكثرة مزاولة استخدامها أقوى من حافظة التاجر المتعلّم لأنّ الأوّل يعتمد على الحافظة بخلاف الثاني.لكن لو صحّ أنّ شأن الصحابة مع الحفظ كان على هذه الشاكلة، وأنّ العرب كانوا ذوي حافظة قويّة، وخصوصاً الصحابة الذين قيّضهم الله لحفظ الشرع وصيانته، وحمله وتبليغه لمن بعدهم.. فكيف يمكن تأويل ما أخرجه الخطيب في ____________1- منهم: عاصم بن ضمرة (راجع المحدّث الفاصل 1: 382)، وخالد الحذّاء (راجع تقييد العلم: 59)، وعبيدة (انظر جامع بيان العلم 1: 166).2- الانفطار: 11.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 58 -------------------------------------------------------------------------------- رواية مالك، والبيهقىّ في شعب الإيمان، والقرطبىّ في تفسيره بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر، قال: (تعلّم عمر سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلمّا ختمها نحر جزوراً)؟!(1).وماذا يمكننا أن نقول في ذلك؟ هل يجب أن نُخَطِّئَ الشيخ عبد الغني والأستاذ أبا زهو ومن ذهب إلى هذا الرأي، أم نخطّئ ابن الجوزىّ والذهبىّ والقرطبىّ لروايتهم هذا الخبر عن عمر؟لابُدّ إذَنْ أن يكون في الأمر شي آخر غير الحافظة والاعتزاز بها. وهو ما سيتّضح للقارئ ـ لاحقاً ـ إن شاء الله تعالى.قال الأستاذ يوسف العشّ في مقدّمة كتاب تقييد العلم: (فذاكرة أكثر الناس أضعف من أن تتناول مادّة العلم بأجمعه، فتحفظها من الضياع، وتقيها من الشرود، ومهما قويت عند أُناس فلابدّ أن تهون عند آخرين، فتخونهم وتضعف معارفهم)(2).وقد عدّد أصحاب الجرح والتعديل في كتبهم أسماء مَن كان يخلط من الصحابة والرواة في كتبهم.فكان الوهم والغلط في حديثهم اقل من القسم الاول، إلاّ من تساهل منهم، كمن حدث من غير كتابه، أو اخرج كتابه من يده إلى غيره، فزاد فيه ونقص وخفي عليه، فتكلم الأئمّة فيمن وقع له ذلك منهم.وإذا تقرر هذا فمن كان عدلاً لكنه لا يحفظ حديثه عن ظهر قلب، واعتمد على ما في كتابه، فحدث منه فقد فعل اللازم له، وحديثه على هذه الصورة صحيح بلا خلاف. انتهى كلامه.وإليك الان ما قاله الحافظ ابن حجر فى نكته على ابن الصلاح واصفاً رواه ____________1- شرح النهج 12: 66، الدرّ المنثور 1: 54، سيرة عمر لابن الجوزىّ: 165، تفسير القرطبىّ 1: 40 وفيه في بضع عشرة سنة، تاريخ الإسلام للذهبىّ (عهد الخلفاء الراشدين: 267).2- مقدّمة تقييد العلم: 8.-------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 59 -------------------------------------------------------------------------------- الصحيح من بعد الصحابة:... من اعتمد في روايته على ما في كتابه لا يعاب، بل هو وصف أكثر رواة الصحيح من بعد الصحابة وكبار التابعين، لان الرواة الذين " للصحيح " على قسمين:قسم كانوا يعتمدون على حفظ حديثهم فكان الواحد منهم يتعاهد حديثه ويكرر عليه مثبتاً له، وسهل ذلك عليهم قرب الاسناد وقلة ما عند الواحد منهم من المتون، حتى كان من يحفظ منهم الف حديث يشار إليه بالاصابع، ومن هنا دخل الوهم والغلط على بعضهم لما حيل عليه الانسان من السهو والنسيان.وقسم كانوا يكتبون ما يسمعونه، ويحافظون عليه، ولا يخرجوه من ايديهم، ويحدثون منه.إنّ هذه الأمور تؤكّد أنّ المسألة لم تكن كما يصوّرها البعض، بل هناك شي آخر ينبغي الإشارة إليه، إذ أنّ السنّة النبويّة لم تكن حكراً على العرب، ليقال في التعليل: إنّهم أصحاب حافظة قويّة، حتّى يرد تعليل الشيخ عبد الغنىّ، والأستاذ أبي زهو، بل إنّ هناك ـ من مسلمي الفرس والأتراك وغيرهما ـ من كان يريد تدوين السنّة، فما الجواب في مثل هذه الحالة؟ولو كان الحفظ واجباً في شي، ألا تراه في القرآن أوجب؟ولو كانت سعة الحفظ وقوّة الذاكرة مانعة من كتابه شي، فلماذا لم تمنع من كتابة القرآن؟ مع وجود عدد كبير من حفّاظ الصحابة؟ولو كان للحفظ هذه المنزلة فلماذا لا نجد في الحفظ عشر معشار الآيات النازلة في الكتابة والحث عليها وتمجيد الكتاب؟!على أنّ الحافظة ـ التي ادّعي أن النهي عن الكتابة جاء لصيانتها ـ لم تستطع هي الأخرى أن تفي بالغرض وتسدّ حاجة المسلمين لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ولذلك صرّح أبو بكر بن أبي قحافة بأنّ الصحابة يحدّثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأحاديث يختلفون في نقولاتها، وممّا لا شك فيه أنّ ضعف الحافظة وخيانتها من الأسباب -------------------------------------------------------------------------------- الصفحة 60 -------------------------------------------------------------------------------- الفاعلة في ذلك الاختلاف في النقل.فمن خلال قول أبي بكر: (إنّكم تحدِّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها) نفهم أنّ الخلاف في المسائل الفرعيّة آنذاك كان صادراً من جهة اختلاف وجوه النقل من قبل الصحابة(1). وهذا معناه إمّا كذب عدد منهم في النقل، كما أخبر النبىّ (صلى الله عليه وآله) بقوله: (ستكثر بعدي القالةُ علي)(2) فتتعارض نقولاتهم مع نقول الصادقين من الصحابة. وإمّا وقوع النسيان، أو السهو، أو الغلط لدى بعض منهم، بحيث يحدث الاختلاف مع نقولات الحافظين الذاكرين الصحيحي النقل.وإمّا أن تكون النقولات متعارضة ظاهراً إلى حدّ أن يخفى على غير المتمرِّس بالشريعة وجه الجمع والعثور على القرائن الحاليّة، أو المقاليّة التي يمكن بواسطتها رفع الاختلاف.إذَن، من يريد التثبّت في الحديث يلزمه أن يحتاط في الأخذ، ومن شكّ في صحّة حديث، فإنه ينبغي عليه التحقيق فيه حتّى يتبيّن له المكذوب من الصحيح(3)، ولا يجوز أن يأمر بمحو الحديث وحرقه لمجرّد احتمال يَرِد عليه، وإلاّ فهو الإضاعة والتفر يط والضبط.وهنا أمر آخر يجب الإشارة إليه وهو أنّ النصوص المؤكّدة على تشديد الصحابة في نقل الأخبار وقبولهم لها وخوف سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود و... من التحديث وأن يزيد أو ينقص في الحديث، وقول زيد: كبرنا ونسينا الحديث عن رسول الله، كلّها تؤكّد عدم صحّة مقولة الحفاظ على الحافظة(4).____________1- انظر كتابنا تاريخ الحديث النبوي، المؤثرات في عهد أبي بكر: 111 ـ 124. ففيه تفصيل ذلك.2- انظر المعتبر للمحقق الحلي 1: 29، وفي صحيح البخاري 1: 52 باب إثم من كذب على النبي ح 16 بسنده إلى علي بن أبي طالب يقول قال النبي (صلى الله عليه وآله): لا تكذبوا علىّ فإنه من كذب علىّ فليلج النار.3- كما جاء في خبر الرسول الذي رواه رافع بن خديج عنه (صلى الله عليه وآله) المارّ ذكره.4- الأضواء على السنّة المحمدية: 55 ـ 58، والحديث تجده في سنن ابن ماجة 1: 11، باب تعظيم حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتغليط على من عارضه ح 25، ومسند أحمد 4: 370، ح 19323 و19324 وغيرها من المصادر.