Admin
01-02-2011, 08:18 PM
في منتصق الشهر الثاني من عام 1993 كان اللاجئون ينتظرون بشغف، زيارة السيدة ((أوغاتا)) رئيسة المفوضية السامية إلى المخيم، وسبب شغفهم أنهم كانوا يعتقدون بأن المفوضية تعمل خارج منظومات السياسة وتطلباتها، وتتخذ من النظرة الإنسانية منهجا لرعاية مخيمات اللاجئين في العالم وماأكثرها؟!.
ورافق السيدة أوغاتا في زيارتها عبد المولى الصلح.
أعد اللاجئون لليوم الموعود أشرطة (فيديو) وأشرطة صوتية وصورا فوتوغرافية، وكانت جميعها تظهر الجنود والشرطة السعوديين في أسوأ حالاتهم وهم يمعنون في إذلال اللاجئين وقهرهم، وقد تم إعداد الوثائق سرا خوفا من الوكلاء والمخبرين.
وصلت السيدة (أوغاتا) إلى مخيمنا صباحا، في طريق عودتها من مخيمات البوسنة والهرسك، وأعلنت حال وصولها، أن لديها من الوقت ( 40 دقيقة فقط!)، تسافر بعدها إلى مكتبها في جنيف، وكان وفد اللاجئين المكون من سبعة رجال حضر اللقاء القصير، وكل واحد منهم خبأ تحت قمصلته وثيقة، تدين الممارسات التي تقوم بها
السلطات السعودية في المخيم بحق اللاجئين.
من جانبهم هيأ الضباط السعوديون شهود الزور من الوكلاء والمخبرين، وكذلك أشرطة (فيديو) ممنتجة جيداً في ستوديوهات المخابرات السعودية بالرياض، لغرض عرضها أمام السيدة.
خلال اللقاء حدثتْ مشادة كلامية حامية بين العميد محمد المغربي قائد المخيم، ووفد اللاجئين برئاسة أحد زملائنا ويدعى (علي)، مما حدا بالمغربي إلى أن يصفع عليا بقسوة أمام السيدة (أوغاتا) ، وذلك لإلحاحه بضرورة مقابلتها على انفراد!!
وانفض الاجتماع الذي لم يدم أكثر من عشرة دقائق!
السعوديون من جانبهم كانوا يعوّلون أيضا على هذه الزيارة لأسباب نجملها:
-1إسكات الأصوات المطالبة بالكفّ عن مصادرة حرياتنا من قبل السلطات السعودية، واضطهادنا وتسليم الكثيرين منا إلى الحدود، قبل انشاء مكتب للمفوضية في المخيم، وكانت تلك الأصوات عراقية معارضة وعربية ودولية ومنظمات إنسانية.
-2 لكي تطلع السيدة المفوضة السامية بنفسها على المخيم الجديد، وليس مكب النفايات المخيم القديم، الذي انعدمت فيه الشروط الإنسانية، ونظرا لهذا أي التحسن الطفيف في سكن اللاجئين، فليس أمام السيدة أوغاتا إلا أن تقدم الشكر والإمتنان للحكومة السعودية، وذلك مافعلته خلال تلك الزيارة.
-3أما السبب الأكثر أهمية فهو في تقديري، ماسوف تثبتته أحداث شهر رمضان الكريم، التي سنأتي على ذكرها بالتفصيل، وهو أن الحكومة السعودية كانت تخطط فعلا لمذبحة رمضان، وكانت أعقبت زيارة السيدة أوغاتا بشهر واحد لاغير.
وماكان كريم الأتاسي ليفوّت فرصة ذهبية كهذه، فرصة الظهور أمام رئيسه عبد المولى الصلح، المرافق للسيدة أوغاتا بمظهر الموظف النزيه، والإنتقام من آلاف اللاجئين في حوزتهم أدلة، تثبت تهاون مندوب الأمم المتحدة شخصيا وعدم حياديته، ولهذا فقد أعد المذكور كل شيء على مقاسات الحكومة السعودية، وقيادة المخيم والمخبرين الأمراء الذين اجتمعوا مع السيدة أوغاتا (بعد اجتماعها مع وفد اللاجئين)، وكالوا المديح تلو المديح للحكومة السعودية بحضور ودعم الأتاسي نفسه.
ولأجل قلب الحقائق رأسا على عقب، فقد تم إعداد بيت أحد الأمراء وتأثيثه تأثيثا فاخرا، وإيهام السيدة (أوغاتا)، على أنه نموذج للبيوت الأخرى في المخيم، وطبعا كانت هناك (كاميرا) تتجول معها، مصورة البيت والغرف بتفاصيلها وزواياها، وجريا على العادة قدم (التلفزيون) السعودي القناة الأولى، في نفس الليلة لقطات طويلة مشوّقة لمظاهر الترف في فندق الخمس نجوم (هذا هو كلام عبد المولى الصلح للاعلام العربي والعالمي)، حيث يرفل اللاجئون العراقيون في رغد العيش على أراضي المملكة!، صور للثلاجة والطباخ الكهربائي وأواني الطبخ وألعاب الأطفال وسجاجيد (الكاشان) الإيرانية، وبعد لحظة ترتسم ابتسامة الأتاسي وملامحه، ومن الابتسامة إياها تنحرف (الكاميرا) قليلا نحو إبتسامة أحد الوكلاء، الذي وقف مبتسما بالكوفية والعباءة، متشبها بالمواطنين السعوديين في زيهم، وما بين الوكيل وسيده يتسلط الضوء على أنواع فاخرة من الأطعمة والبيبسي كولا، ثم وجه زوجة الأمير وهي تحاول ردّ فضلة عباءتها خجلا
الفصل الخامس عشر
أحداث شهر رمضان المبارك (1993)
كتبت هذه السطور بالتشاور مع شهود الأحداث
..وتم للسلطات السعودية في المخيم ماأرادت، لاسيما في الفترة التي أعقبت زيارة السيدة أوغاتا، وتصريحها في الإعلام السعودي بأنها أُفهمت من قبل السلطات، على نحو أكيد وواضح، بأن اللاجئين العراقيين أشقاء للمواطنين السعوديين!، وهم (ضيوف) الملك!، ولاتوجد حوادث في المخيم على الإطلاق، بل بالعكس فاللاجئون ينعمون بالراحة والطمأنينة!، و..و..و..
انقضى شهر واحد فقط على الزيارة المذكورة، لكن لم يتغير شيء سوى إطلاق (515) لاجئا، حملتهم أقدارهم إلى الولايات المتحدة كمهاجرين بعد طول انتظار، وكانت مجاميع أخرى سواهم، تنتظر وفدا من الدولة المذكورة يدعى (gva).
إن مهمة هذا الوفد تتلخص في إعداد مقابلات أولية، وتقديمها إلى ضباط الهجرة الذين يشكلون وفدا آخر يدعى (ins)، وقد جرت العادة أن يصل هذا الوفد تاليا الوفد الأول، بعد اسبوعين أوثلاثة، وربما يطول الإنتظار إلى أشهر، فيشيع بين اللاجئين المنتظرين جوا من القلق والترقب؟!
كل شيء هادئ بعد المسيرتين السلميتين اللتين نظمهما لاجئو الأرطاوية، بالتعاون والتنسيق مع لاجئي رفحاء، وتسود المخيم حالة من الاسترخاء التام، بانتظار المزيد من الوعود التي أطلقها مكتب المفوضية السامية، تلك المتعلقة بزيادة نسبة إعادة توطين اللاجئين.
الحياة روتينية من قماشة سقف الخيمة حتى السوق الكبير!
لكن صباح يوم الاثنين 1993.3.8 شاع في أرجاء المخيم، أن المفارز السعودية الحدودية، ألقت القبض على عائلة عراقية اجتازت الحدود، للإلتحاق بأحد أبنائها من لاجئي رفحاء، في الحقيقة فإن لاجئين اثنين الأول يدعى عبد الأمير من قضاء سوق الشيوخ، والثاني يدعى أبو زينب من مدينة كربلاء، تسللا إلى العراق وعادا بعد فترة قصيرة بعائلتيهما إلى المخيم، لكن سوء الحظ كان لهما بالمرصاد، إذ ألقت القبض عليهم المفارز السعودية حول المخيم، وبعد التحقيقات في مكتب الإستخبارات أطلق سراح الرجلين، فيما احتجزت الزوجتان والأطفال في مقر القيادة.
عاد الرجلان إلى المخيم وتشاكا أمر احتجاز العائلتين، إلى اللاجئين في المضائف والحسينيات، وسرى خبر الإحتجاز سريان النار في الهشيم بين الخيام، فأحرقت قلوب اللاجئين صغارا وكبارا!
لغرض استغلال عواطف اللاجئين ومشاعرهم، وكذلك تحريضهم على التجمع بباب المخيم، لمساعدة العائلتين المذكورتين إن امكن ذلك، أطلقت بعد صلاة الظهر نداءات بمكبرات الصوت من إحدى الحسينيات.
وكانت العائلتان كالمستجير من الرمضاء بالنار، إذ بعد التحقيق الذي استمر ساعات طويلة وتخللته الإهانات، قرر مكتب الاستخبارات إعادتهما إلى العراق بتسليمهم إلى المخفر الحدودي، منعا - حسب ادعاء المكتب - لنزوح عوائل أخرى بحجة وجود أبنائهم في المخيم!
ازاء حادث كهذا شعر اللاجئون بالعار، واشتعلت النخوة في نفوس الكثيرين فتشكلت مجموعات ضغط، وقامت هذه المجموعات بزيارة الشيوخ في مضائفهم، ومسؤولي القواطع في بيوتهم، وتدارسوا معهم موضوع احتجاز الزوجتين والأطفال، وحرضوهم وحثوهم على التوسط بما لهم من جاه لإطلاق سراح الجميع.
تحمس عدد من الشيوخ ومثلهم من مسؤولي القواطع، وتوسطوا لدى مكتب الإستخبارات، لكن الأخير لم يعر أذنا مصغية لهؤلاء، ولم ينثن في نهاية الأمر عن قراره، وقام بإبعاد العائلة وتسليمها إلى المخفر الحدودي.
عصرا اندفع عدد قليل من اللاجئين، وتجمعوا أمام الباب للتفاوض مع قيادة المخيم، أو هكذا كانوا يظنون!، لكن لاقيادة المخيم ولامكتب الإستخبارات ولاأحد المطاوعة الذي حضر المشهد، اهتموا لأمر هؤلاء اللاجئين، وتركوهم يرددون شعارات شيعية منها: اطلع ياالمهدي وصفّيهَهْ.. شوف الشيعه شصاير بيهه!!، هناك في باب المخيم البعيد نسبيا عن وسطه لبث اللاجئون طويلا، مرددين الشعارات تحت حراب الجنود المستوفزين، ولما رأى المحتجون أن لاأحد يهتم لأمرهم، قرروا العودة إلى بيوتهم في ساعة متأخرة من الليل، دون أن يحصلوا على نتيجة.
الثلاثاء 3.9
في صباح اليوم التالي وجه نداء آخر من إحدى الحسينيات، الذي يتهم صاحبها بالتعاون مع السلطات السعودية، ولم تكن توجد توجيهات لضبط النفس، من قبل موجهي النداء بالتجمع أمام الباب، وخلال ساعة تداعى بالفعل لاجئون كثيرون إلى هناك، وكان عدد من اللاجئين، يرتدون الأكفان وقطعا قماشية خضراء اللون يعصبون بها رؤوسهم، كتب عليها: ياحسين ياشهيد كربلاء ..ويالثارات الحسين!، إضافة إلى ذلك هتفوا بشعارات حول مظلومية الشيعة، حيث لاناصر ولامعين في الصحراء!
في تلك الأثناء حضر من مقر القيادة ضابط برتبة نقيب يصحبه أحد المطاوعة، ووقفا أمام الجنود تاركين مسافة أمتار بينهما وبين المحتجين، فزادت الهتافات واللطم، وكان مشهدا اهتزت له نفسي لقربي من الباب حينها، وشعرت بألم على العراقي، الذي وصلت به الأمور إلى طلب الحماية والرحمة فلم يجدها، والنجدة من أصحاب القوة والمال فلم يُعطَها!
في تلك الساعة العصيبة من عمر المخيم دبَّ في نفس النقيب نداء الحرب الوهابي، فالتفت متوسلا إلى المطوَّع أمر إطلاق النار، لكن هذا تريث أول الأمر، ولما اشتدت الهتافات وازدادت حدة الصرخات، حول مظلومية الشيعة في الصحراء خاصة، هاجت نفسه ولم يصبر على هكذا تحدي، فما كان منه إلا أن أعطى أمر إطلاق النار على المحتجين إلى النقيب، الذي هتف في الحال: أفلحت ياشيخ! وأطلق النار من مسدسه الشخصي على المحتجين، ما شجع الجنود الذين كانوا في حالة استعداد وإنذار، على إطلاق النار أيضا، صارخين بهيستيرية : هَبَّتْ هُبوبَ الجنَّه ....ويْنَكْ يَباغِيهَهْ!
اسفر اطلاق النار العشوائي على اللاجئين المحتجين عن سقوط عدد منهم، بينما لاذ الآخرون بالفرار باتجاه وسط المخيم وكنت أحدهم، ولم نسلم من رشقات الرصاص فلاحقتنا فوق الرؤوس وبين الأرجل، ماأدى إلى جرح عدد منا، وسقوطهم على جانبي الشارع العام.
نتيجة لإطلاق النار العشوائي وقع المخيم في حالة من البلبلة والغليان، وعم الهلع في كل مكان، وإندفع اللاجئون من سائر أرجاء المخيم نحو وسطه، وقام أحد اللاجئين ويدعى جبار اليتيّم، وهو شاب في منتصف الثلاثينات من أهالي مدينة الديوانية، فتشاجر مع أحد الجنود حراس مكتب هيئة الإغاثة، محاولا تحت حالة هيستيرية سلب الجندي بندقيته دون جدوى، وكان عراك بالأيدي وصياح وهياج بين الإثنين، وفي نهاية الأمر قام الجندي وصوب إلى اليتيم بندقيته، وأطلق ثلاث رصاصات استقرت في مؤخرة رأسه، حسبما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية الذي شارك موظفوها بمراسم دفن اليتيم!
وتضاعفت أعداد اللاجئين الذين هرعوا إلى مكان الحادث وصاروا آلافا، وحملوا القتيل في الحال إلى حسينية قريبة للصلاة عليه ومن ثم تشييعه.
بعد دقائق من تلك الحادثة لم يبق لاجئ في خيمته تقريبا، غدا النساء والأطفال، إلا وهرع إلى وسط المخيم حيث وقع الحادث، ويمكن وصف المشهد برمته هكذا : ألوف من اللاجئين يطوفون بالقتيل وسط المخيم أي حول (الكرفانات)، وجميعهم يهتفون ضد عملية القتل، وضد الظلم الذي حاق بالعراقيين في الصحراء، على أيدي السلطات السعودية حسب تعبيرهم وهتافاتهم.
بينما كان آلاف من اللاجئين يطوفون بالقتيل، حضر قائد المخيم بسيارته (نوع لاندكروز)، محاطا بآليات عسكرية وجنود ووحدة من قوات الطوارئ، وقف القائد على مسافة مناسبة من المشيعين، وأمرهم بمكبرة الصوت بالتفرق وعدم الإستمرار بالتشييع، لكن اللاجئين رفضوا الأمر العسكري ولم يمتثلوا له، لابل إنهم اعتبروا عدم تشييع الميت ظلما مضاعفا!
وهذه القصة يرويها الاخ طارق حربي
ورافق السيدة أوغاتا في زيارتها عبد المولى الصلح.
أعد اللاجئون لليوم الموعود أشرطة (فيديو) وأشرطة صوتية وصورا فوتوغرافية، وكانت جميعها تظهر الجنود والشرطة السعوديين في أسوأ حالاتهم وهم يمعنون في إذلال اللاجئين وقهرهم، وقد تم إعداد الوثائق سرا خوفا من الوكلاء والمخبرين.
وصلت السيدة (أوغاتا) إلى مخيمنا صباحا، في طريق عودتها من مخيمات البوسنة والهرسك، وأعلنت حال وصولها، أن لديها من الوقت ( 40 دقيقة فقط!)، تسافر بعدها إلى مكتبها في جنيف، وكان وفد اللاجئين المكون من سبعة رجال حضر اللقاء القصير، وكل واحد منهم خبأ تحت قمصلته وثيقة، تدين الممارسات التي تقوم بها
السلطات السعودية في المخيم بحق اللاجئين.
من جانبهم هيأ الضباط السعوديون شهود الزور من الوكلاء والمخبرين، وكذلك أشرطة (فيديو) ممنتجة جيداً في ستوديوهات المخابرات السعودية بالرياض، لغرض عرضها أمام السيدة.
خلال اللقاء حدثتْ مشادة كلامية حامية بين العميد محمد المغربي قائد المخيم، ووفد اللاجئين برئاسة أحد زملائنا ويدعى (علي)، مما حدا بالمغربي إلى أن يصفع عليا بقسوة أمام السيدة (أوغاتا) ، وذلك لإلحاحه بضرورة مقابلتها على انفراد!!
وانفض الاجتماع الذي لم يدم أكثر من عشرة دقائق!
السعوديون من جانبهم كانوا يعوّلون أيضا على هذه الزيارة لأسباب نجملها:
-1إسكات الأصوات المطالبة بالكفّ عن مصادرة حرياتنا من قبل السلطات السعودية، واضطهادنا وتسليم الكثيرين منا إلى الحدود، قبل انشاء مكتب للمفوضية في المخيم، وكانت تلك الأصوات عراقية معارضة وعربية ودولية ومنظمات إنسانية.
-2 لكي تطلع السيدة المفوضة السامية بنفسها على المخيم الجديد، وليس مكب النفايات المخيم القديم، الذي انعدمت فيه الشروط الإنسانية، ونظرا لهذا أي التحسن الطفيف في سكن اللاجئين، فليس أمام السيدة أوغاتا إلا أن تقدم الشكر والإمتنان للحكومة السعودية، وذلك مافعلته خلال تلك الزيارة.
-3أما السبب الأكثر أهمية فهو في تقديري، ماسوف تثبتته أحداث شهر رمضان الكريم، التي سنأتي على ذكرها بالتفصيل، وهو أن الحكومة السعودية كانت تخطط فعلا لمذبحة رمضان، وكانت أعقبت زيارة السيدة أوغاتا بشهر واحد لاغير.
وماكان كريم الأتاسي ليفوّت فرصة ذهبية كهذه، فرصة الظهور أمام رئيسه عبد المولى الصلح، المرافق للسيدة أوغاتا بمظهر الموظف النزيه، والإنتقام من آلاف اللاجئين في حوزتهم أدلة، تثبت تهاون مندوب الأمم المتحدة شخصيا وعدم حياديته، ولهذا فقد أعد المذكور كل شيء على مقاسات الحكومة السعودية، وقيادة المخيم والمخبرين الأمراء الذين اجتمعوا مع السيدة أوغاتا (بعد اجتماعها مع وفد اللاجئين)، وكالوا المديح تلو المديح للحكومة السعودية بحضور ودعم الأتاسي نفسه.
ولأجل قلب الحقائق رأسا على عقب، فقد تم إعداد بيت أحد الأمراء وتأثيثه تأثيثا فاخرا، وإيهام السيدة (أوغاتا)، على أنه نموذج للبيوت الأخرى في المخيم، وطبعا كانت هناك (كاميرا) تتجول معها، مصورة البيت والغرف بتفاصيلها وزواياها، وجريا على العادة قدم (التلفزيون) السعودي القناة الأولى، في نفس الليلة لقطات طويلة مشوّقة لمظاهر الترف في فندق الخمس نجوم (هذا هو كلام عبد المولى الصلح للاعلام العربي والعالمي)، حيث يرفل اللاجئون العراقيون في رغد العيش على أراضي المملكة!، صور للثلاجة والطباخ الكهربائي وأواني الطبخ وألعاب الأطفال وسجاجيد (الكاشان) الإيرانية، وبعد لحظة ترتسم ابتسامة الأتاسي وملامحه، ومن الابتسامة إياها تنحرف (الكاميرا) قليلا نحو إبتسامة أحد الوكلاء، الذي وقف مبتسما بالكوفية والعباءة، متشبها بالمواطنين السعوديين في زيهم، وما بين الوكيل وسيده يتسلط الضوء على أنواع فاخرة من الأطعمة والبيبسي كولا، ثم وجه زوجة الأمير وهي تحاول ردّ فضلة عباءتها خجلا
الفصل الخامس عشر
أحداث شهر رمضان المبارك (1993)
كتبت هذه السطور بالتشاور مع شهود الأحداث
..وتم للسلطات السعودية في المخيم ماأرادت، لاسيما في الفترة التي أعقبت زيارة السيدة أوغاتا، وتصريحها في الإعلام السعودي بأنها أُفهمت من قبل السلطات، على نحو أكيد وواضح، بأن اللاجئين العراقيين أشقاء للمواطنين السعوديين!، وهم (ضيوف) الملك!، ولاتوجد حوادث في المخيم على الإطلاق، بل بالعكس فاللاجئون ينعمون بالراحة والطمأنينة!، و..و..و..
انقضى شهر واحد فقط على الزيارة المذكورة، لكن لم يتغير شيء سوى إطلاق (515) لاجئا، حملتهم أقدارهم إلى الولايات المتحدة كمهاجرين بعد طول انتظار، وكانت مجاميع أخرى سواهم، تنتظر وفدا من الدولة المذكورة يدعى (gva).
إن مهمة هذا الوفد تتلخص في إعداد مقابلات أولية، وتقديمها إلى ضباط الهجرة الذين يشكلون وفدا آخر يدعى (ins)، وقد جرت العادة أن يصل هذا الوفد تاليا الوفد الأول، بعد اسبوعين أوثلاثة، وربما يطول الإنتظار إلى أشهر، فيشيع بين اللاجئين المنتظرين جوا من القلق والترقب؟!
كل شيء هادئ بعد المسيرتين السلميتين اللتين نظمهما لاجئو الأرطاوية، بالتعاون والتنسيق مع لاجئي رفحاء، وتسود المخيم حالة من الاسترخاء التام، بانتظار المزيد من الوعود التي أطلقها مكتب المفوضية السامية، تلك المتعلقة بزيادة نسبة إعادة توطين اللاجئين.
الحياة روتينية من قماشة سقف الخيمة حتى السوق الكبير!
لكن صباح يوم الاثنين 1993.3.8 شاع في أرجاء المخيم، أن المفارز السعودية الحدودية، ألقت القبض على عائلة عراقية اجتازت الحدود، للإلتحاق بأحد أبنائها من لاجئي رفحاء، في الحقيقة فإن لاجئين اثنين الأول يدعى عبد الأمير من قضاء سوق الشيوخ، والثاني يدعى أبو زينب من مدينة كربلاء، تسللا إلى العراق وعادا بعد فترة قصيرة بعائلتيهما إلى المخيم، لكن سوء الحظ كان لهما بالمرصاد، إذ ألقت القبض عليهم المفارز السعودية حول المخيم، وبعد التحقيقات في مكتب الإستخبارات أطلق سراح الرجلين، فيما احتجزت الزوجتان والأطفال في مقر القيادة.
عاد الرجلان إلى المخيم وتشاكا أمر احتجاز العائلتين، إلى اللاجئين في المضائف والحسينيات، وسرى خبر الإحتجاز سريان النار في الهشيم بين الخيام، فأحرقت قلوب اللاجئين صغارا وكبارا!
لغرض استغلال عواطف اللاجئين ومشاعرهم، وكذلك تحريضهم على التجمع بباب المخيم، لمساعدة العائلتين المذكورتين إن امكن ذلك، أطلقت بعد صلاة الظهر نداءات بمكبرات الصوت من إحدى الحسينيات.
وكانت العائلتان كالمستجير من الرمضاء بالنار، إذ بعد التحقيق الذي استمر ساعات طويلة وتخللته الإهانات، قرر مكتب الاستخبارات إعادتهما إلى العراق بتسليمهم إلى المخفر الحدودي، منعا - حسب ادعاء المكتب - لنزوح عوائل أخرى بحجة وجود أبنائهم في المخيم!
ازاء حادث كهذا شعر اللاجئون بالعار، واشتعلت النخوة في نفوس الكثيرين فتشكلت مجموعات ضغط، وقامت هذه المجموعات بزيارة الشيوخ في مضائفهم، ومسؤولي القواطع في بيوتهم، وتدارسوا معهم موضوع احتجاز الزوجتين والأطفال، وحرضوهم وحثوهم على التوسط بما لهم من جاه لإطلاق سراح الجميع.
تحمس عدد من الشيوخ ومثلهم من مسؤولي القواطع، وتوسطوا لدى مكتب الإستخبارات، لكن الأخير لم يعر أذنا مصغية لهؤلاء، ولم ينثن في نهاية الأمر عن قراره، وقام بإبعاد العائلة وتسليمها إلى المخفر الحدودي.
عصرا اندفع عدد قليل من اللاجئين، وتجمعوا أمام الباب للتفاوض مع قيادة المخيم، أو هكذا كانوا يظنون!، لكن لاقيادة المخيم ولامكتب الإستخبارات ولاأحد المطاوعة الذي حضر المشهد، اهتموا لأمر هؤلاء اللاجئين، وتركوهم يرددون شعارات شيعية منها: اطلع ياالمهدي وصفّيهَهْ.. شوف الشيعه شصاير بيهه!!، هناك في باب المخيم البعيد نسبيا عن وسطه لبث اللاجئون طويلا، مرددين الشعارات تحت حراب الجنود المستوفزين، ولما رأى المحتجون أن لاأحد يهتم لأمرهم، قرروا العودة إلى بيوتهم في ساعة متأخرة من الليل، دون أن يحصلوا على نتيجة.
الثلاثاء 3.9
في صباح اليوم التالي وجه نداء آخر من إحدى الحسينيات، الذي يتهم صاحبها بالتعاون مع السلطات السعودية، ولم تكن توجد توجيهات لضبط النفس، من قبل موجهي النداء بالتجمع أمام الباب، وخلال ساعة تداعى بالفعل لاجئون كثيرون إلى هناك، وكان عدد من اللاجئين، يرتدون الأكفان وقطعا قماشية خضراء اللون يعصبون بها رؤوسهم، كتب عليها: ياحسين ياشهيد كربلاء ..ويالثارات الحسين!، إضافة إلى ذلك هتفوا بشعارات حول مظلومية الشيعة، حيث لاناصر ولامعين في الصحراء!
في تلك الأثناء حضر من مقر القيادة ضابط برتبة نقيب يصحبه أحد المطاوعة، ووقفا أمام الجنود تاركين مسافة أمتار بينهما وبين المحتجين، فزادت الهتافات واللطم، وكان مشهدا اهتزت له نفسي لقربي من الباب حينها، وشعرت بألم على العراقي، الذي وصلت به الأمور إلى طلب الحماية والرحمة فلم يجدها، والنجدة من أصحاب القوة والمال فلم يُعطَها!
في تلك الساعة العصيبة من عمر المخيم دبَّ في نفس النقيب نداء الحرب الوهابي، فالتفت متوسلا إلى المطوَّع أمر إطلاق النار، لكن هذا تريث أول الأمر، ولما اشتدت الهتافات وازدادت حدة الصرخات، حول مظلومية الشيعة في الصحراء خاصة، هاجت نفسه ولم يصبر على هكذا تحدي، فما كان منه إلا أن أعطى أمر إطلاق النار على المحتجين إلى النقيب، الذي هتف في الحال: أفلحت ياشيخ! وأطلق النار من مسدسه الشخصي على المحتجين، ما شجع الجنود الذين كانوا في حالة استعداد وإنذار، على إطلاق النار أيضا، صارخين بهيستيرية : هَبَّتْ هُبوبَ الجنَّه ....ويْنَكْ يَباغِيهَهْ!
اسفر اطلاق النار العشوائي على اللاجئين المحتجين عن سقوط عدد منهم، بينما لاذ الآخرون بالفرار باتجاه وسط المخيم وكنت أحدهم، ولم نسلم من رشقات الرصاص فلاحقتنا فوق الرؤوس وبين الأرجل، ماأدى إلى جرح عدد منا، وسقوطهم على جانبي الشارع العام.
نتيجة لإطلاق النار العشوائي وقع المخيم في حالة من البلبلة والغليان، وعم الهلع في كل مكان، وإندفع اللاجئون من سائر أرجاء المخيم نحو وسطه، وقام أحد اللاجئين ويدعى جبار اليتيّم، وهو شاب في منتصف الثلاثينات من أهالي مدينة الديوانية، فتشاجر مع أحد الجنود حراس مكتب هيئة الإغاثة، محاولا تحت حالة هيستيرية سلب الجندي بندقيته دون جدوى، وكان عراك بالأيدي وصياح وهياج بين الإثنين، وفي نهاية الأمر قام الجندي وصوب إلى اليتيم بندقيته، وأطلق ثلاث رصاصات استقرت في مؤخرة رأسه، حسبما جاء في تقرير منظمة العفو الدولية الذي شارك موظفوها بمراسم دفن اليتيم!
وتضاعفت أعداد اللاجئين الذين هرعوا إلى مكان الحادث وصاروا آلافا، وحملوا القتيل في الحال إلى حسينية قريبة للصلاة عليه ومن ثم تشييعه.
بعد دقائق من تلك الحادثة لم يبق لاجئ في خيمته تقريبا، غدا النساء والأطفال، إلا وهرع إلى وسط المخيم حيث وقع الحادث، ويمكن وصف المشهد برمته هكذا : ألوف من اللاجئين يطوفون بالقتيل وسط المخيم أي حول (الكرفانات)، وجميعهم يهتفون ضد عملية القتل، وضد الظلم الذي حاق بالعراقيين في الصحراء، على أيدي السلطات السعودية حسب تعبيرهم وهتافاتهم.
بينما كان آلاف من اللاجئين يطوفون بالقتيل، حضر قائد المخيم بسيارته (نوع لاندكروز)، محاطا بآليات عسكرية وجنود ووحدة من قوات الطوارئ، وقف القائد على مسافة مناسبة من المشيعين، وأمرهم بمكبرة الصوت بالتفرق وعدم الإستمرار بالتشييع، لكن اللاجئين رفضوا الأمر العسكري ولم يمتثلوا له، لابل إنهم اعتبروا عدم تشييع الميت ظلما مضاعفا!
وهذه القصة يرويها الاخ طارق حربي