ابو الطاهر
06-11-2009, 08:29 AM
الألفاظ الهندية في العامية العراقية
الشيخ جلال الحنفي
ليس المراد بوصف الألفاظ هنا بالهندية، المعنى السياسي للهند من حيث كونها دولة، بل المراد بذلك المعنى الجغرافي القديم، فان ما تلفظه الهنود في قارتهم قبل التقسيم يعد لغة هندية سواء في ذلك ما كان من الاوردية والبنغالية والكجراتية وعشرات اللغات واللهجات الأخرى هناك. والهند في ألفاظ البغادة تسمى هندستان والنسبة اليها هندي وهندستاني، وسمعنا أيضاً من قال هندوكي.. كما قالوا بانياني وجمعه بانيان. وجاءت لفظة الهند بصريح حروفها في تسميات عديدة منها (تمر هند) لثمرة حامضة و(جوز هند) لثمرة معروفة، و(سند وهند) لنوع من الطيور، وقالوا (رست هندي) لطريقة يؤدى بها مقام الرست المعروف بين المقامات العراقية،
أن كثيرا من المفردات الهندية كان معروفاً في بغداد في عهد العثمانيين ذلك لان للهنود صلات متصلة ببغداد فإنهم يأتونها في الغالب لزيارة الشيخ عبد القادر الكيلاني، وربما أقاموا في البلد وتزوجوا وقد عرفت في جهات باب الشيخ ونحوها في بغداد اسرمن أصول هندية، وكانت جماعات كثيرة من الهنود تأتي العراق لزيارة العتبات المقدسة كافة، وهناك من يأتي هذه الديار لإغراض ومصالح تجارية.
ومن وقت بعيد ذكر الرحالة التركي أوليا جلبي أن من بين العوام في بغداد من يتكلم الهندية، وكان أوليا جلبي قد حل ببغداد سنة 1655 م، وذكر بكنكهام في رحلته وكان قد دخل بغداد سنة 1803م أن عامة الناس فيها يتألفون من الترك والعرب والفرس والهنود بنسب مختلفة وغالب الألفاظ الهندية الشائعة ببغداد تتعلق بالمواد العطارية والأطعمة والأنسجة والألبسة من نحو الريتة والجاثة والبرياني والصالونة والكجري والعمبة والبتة والكجراتن والصاية والغترة والبردة والجتاية والكمبار والجنّب.
ومما عرف من ألفاظ النقود الهندية قبل الاحتلال الانكليزي ثم شاع بعده شيوعا عظيما ألفاظ البيزة والعانة والربية، ومن ألفاظ الإعداد قولهم (لك) أي مئة الف، أما الزير والزبر والبيش فهذه ألفاظ هندية يراد بها الكسرة والفتحة والضمة، وكان الصبيان في الكتاتيب يعلمون أداء الحروف وتحريك الألفاظ بهذه العلامات، وقد عرف في بغداد غير واحد من معلمي الصبيان في الكتاتيب كانوا هنودا منهم لآلهة هندي ولإله هراتي بل ان لفظة الملا نفسها هندية الأصل
ومن الألفاظ الهندية الشائعة التي لا يعرف الناس لها أصلا كلمة (مر) في زجر الزنبور إذا أقترب من شخص، وقد يكون أصلها مر بمعنى مت في اللغات الهندية.
ومما اشتهر من الألفاظ الهندية في العامية البغدادية لفظة (جنبر) لصندوق خشبي مفتوح مقطع الى خانات وتجاويف يضع فيه الباعة المتجولون بعض حاجياتهم المعروضة للبيع والاصل في اللفظة انها من (جهبر) الهندية.
وفي بغداد مشرعة ماء على دجلة يقال لها شريعة النواب، والنوّاب هذه بفتح النون لفظة هندية بمعنى الأمير، وكانت تقوم في تلك المنطقة بيوت لبعض راجات الهند وملوكها بهذا الاسم نفتهم الحكومة البريطانية الى بغداد منذ أمد بعيد.
ومن أشهر الألفاظ الهندية الشائعة تلك التسمية التي نطلقها على الببغاء فنقول: (بيبي متو) اذ انها تسمية مؤلفة من ثلاثة كلمات هندية هي: (بيبي ماءتو) ومعناها (سيدتي انت قمر)، قال ذلك الأب انستاس ماري الكرملي البغدادي اذ كان مروضو هذه الطيور ومدربوها يعلمونها هذه الألفاظ لتكون مرغوبة لمن يقتنيها من الناس.
وهناك ألفاظ اعتقد ان أصلها هندي ومنها لفظة (استلهس) بالشيء اذا استطابه فشغف به ولعل هذه من (لهسن) في الاوردية بمعنى الثوم، ويرى الدكتور داود الجلبي ان لفظة البلم هندية الأصل، والبلم واحد الابلام والبلمات التي هي قوارب نهرية صغيرة.
اما أسماء المدن والمواقع الهندية فان غير قليل منها شائع معروف عند العامة البغداديين أذ ترد على السنتهم ألفاظ منسوبة الى بعض هاتيك المدن ونحوها مثل قولهم: (فحم كراجي) لفحم الخشب، ومنها (طحين بمبي) للدقيق الشديد النعومة والبياض و(شال كشمير) لنوع من الأنسجة الفاخرة.
هذا فصل يسير مما سنح لي ان أثبته في هذا الباب وقد استبعدت الإشارة الى الألفاظ الهندية المتسربة من المعاجم العربية من وقت بعيد فانها ليست من ما ورد في بحثنا هذا ومن بينها الفلفل والقرنفل والصاج والابنوس وغيرها.
(عن العدد12و13 المزدوج من مجلة (بغداد) الصادر بين حزيران- مايس 1964)
__________________
الشيخ جلال الحنفي
ليس المراد بوصف الألفاظ هنا بالهندية، المعنى السياسي للهند من حيث كونها دولة، بل المراد بذلك المعنى الجغرافي القديم، فان ما تلفظه الهنود في قارتهم قبل التقسيم يعد لغة هندية سواء في ذلك ما كان من الاوردية والبنغالية والكجراتية وعشرات اللغات واللهجات الأخرى هناك. والهند في ألفاظ البغادة تسمى هندستان والنسبة اليها هندي وهندستاني، وسمعنا أيضاً من قال هندوكي.. كما قالوا بانياني وجمعه بانيان. وجاءت لفظة الهند بصريح حروفها في تسميات عديدة منها (تمر هند) لثمرة حامضة و(جوز هند) لثمرة معروفة، و(سند وهند) لنوع من الطيور، وقالوا (رست هندي) لطريقة يؤدى بها مقام الرست المعروف بين المقامات العراقية،
أن كثيرا من المفردات الهندية كان معروفاً في بغداد في عهد العثمانيين ذلك لان للهنود صلات متصلة ببغداد فإنهم يأتونها في الغالب لزيارة الشيخ عبد القادر الكيلاني، وربما أقاموا في البلد وتزوجوا وقد عرفت في جهات باب الشيخ ونحوها في بغداد اسرمن أصول هندية، وكانت جماعات كثيرة من الهنود تأتي العراق لزيارة العتبات المقدسة كافة، وهناك من يأتي هذه الديار لإغراض ومصالح تجارية.
ومن وقت بعيد ذكر الرحالة التركي أوليا جلبي أن من بين العوام في بغداد من يتكلم الهندية، وكان أوليا جلبي قد حل ببغداد سنة 1655 م، وذكر بكنكهام في رحلته وكان قد دخل بغداد سنة 1803م أن عامة الناس فيها يتألفون من الترك والعرب والفرس والهنود بنسب مختلفة وغالب الألفاظ الهندية الشائعة ببغداد تتعلق بالمواد العطارية والأطعمة والأنسجة والألبسة من نحو الريتة والجاثة والبرياني والصالونة والكجري والعمبة والبتة والكجراتن والصاية والغترة والبردة والجتاية والكمبار والجنّب.
ومما عرف من ألفاظ النقود الهندية قبل الاحتلال الانكليزي ثم شاع بعده شيوعا عظيما ألفاظ البيزة والعانة والربية، ومن ألفاظ الإعداد قولهم (لك) أي مئة الف، أما الزير والزبر والبيش فهذه ألفاظ هندية يراد بها الكسرة والفتحة والضمة، وكان الصبيان في الكتاتيب يعلمون أداء الحروف وتحريك الألفاظ بهذه العلامات، وقد عرف في بغداد غير واحد من معلمي الصبيان في الكتاتيب كانوا هنودا منهم لآلهة هندي ولإله هراتي بل ان لفظة الملا نفسها هندية الأصل
ومن الألفاظ الهندية الشائعة التي لا يعرف الناس لها أصلا كلمة (مر) في زجر الزنبور إذا أقترب من شخص، وقد يكون أصلها مر بمعنى مت في اللغات الهندية.
ومما اشتهر من الألفاظ الهندية في العامية البغدادية لفظة (جنبر) لصندوق خشبي مفتوح مقطع الى خانات وتجاويف يضع فيه الباعة المتجولون بعض حاجياتهم المعروضة للبيع والاصل في اللفظة انها من (جهبر) الهندية.
وفي بغداد مشرعة ماء على دجلة يقال لها شريعة النواب، والنوّاب هذه بفتح النون لفظة هندية بمعنى الأمير، وكانت تقوم في تلك المنطقة بيوت لبعض راجات الهند وملوكها بهذا الاسم نفتهم الحكومة البريطانية الى بغداد منذ أمد بعيد.
ومن أشهر الألفاظ الهندية الشائعة تلك التسمية التي نطلقها على الببغاء فنقول: (بيبي متو) اذ انها تسمية مؤلفة من ثلاثة كلمات هندية هي: (بيبي ماءتو) ومعناها (سيدتي انت قمر)، قال ذلك الأب انستاس ماري الكرملي البغدادي اذ كان مروضو هذه الطيور ومدربوها يعلمونها هذه الألفاظ لتكون مرغوبة لمن يقتنيها من الناس.
وهناك ألفاظ اعتقد ان أصلها هندي ومنها لفظة (استلهس) بالشيء اذا استطابه فشغف به ولعل هذه من (لهسن) في الاوردية بمعنى الثوم، ويرى الدكتور داود الجلبي ان لفظة البلم هندية الأصل، والبلم واحد الابلام والبلمات التي هي قوارب نهرية صغيرة.
اما أسماء المدن والمواقع الهندية فان غير قليل منها شائع معروف عند العامة البغداديين أذ ترد على السنتهم ألفاظ منسوبة الى بعض هاتيك المدن ونحوها مثل قولهم: (فحم كراجي) لفحم الخشب، ومنها (طحين بمبي) للدقيق الشديد النعومة والبياض و(شال كشمير) لنوع من الأنسجة الفاخرة.
هذا فصل يسير مما سنح لي ان أثبته في هذا الباب وقد استبعدت الإشارة الى الألفاظ الهندية المتسربة من المعاجم العربية من وقت بعيد فانها ليست من ما ورد في بحثنا هذا ومن بينها الفلفل والقرنفل والصاج والابنوس وغيرها.
(عن العدد12و13 المزدوج من مجلة (بغداد) الصادر بين حزيران- مايس 1964)
__________________