عامر الكربلائي
05-11-2009, 01:23 PM
http://qasem73.jeeran.com/qas3.jpg
شارع المتنبي.. شارع الثقافة والمنشورات السرية
انه ليس كبقية شوارع بغداد، انه يحمل في طياته وزواياه الثقافة العراقية، وتحولاتها ولحظات خوفها، هذا الشارع الذي يولد من شارع الرشيد منحدراً صوب نهر دجلة، وكأنه يوحي إليك بسرّيته، راسماً بهذه الولادة دلالة ايقونية تتشكل بتشكل الثقافة العراقية طيلة أكثر من ثلاثة عقود.
في هذا الشارع كان أدباء العراق ومثقفوه يتداولون الكتب التي أضحت بين ارتداد طرف القمع وارتقاء ثقافة المقصلة، كتباً تنذر بعهد من السرية والثقافة ذات الصوت المهموس ولو حاولنا أن نستوضح نوعية هذه الكتب لوجدناها قائمة مفتوحة تشتمل على العديد من العنوانات ولا تقتصر على كتب السياسية بل إنها تتعدى نحو الكتب الشعرية والروائية والكتب التي تتحدث عن اضطهاد الأقليات، من هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر: رواية الساعة الخامسة والعشرون كتب ماركس وانجلس وكتاب النقد الثقافي لعبد الله الغذامي، وبعض روايات عبد الرحمن منيف وكذلك دواوين سعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي وكل الكتب التي تخص بعض المذاهب الإسلامية و كثير من الكتب أصبحت كتباً ممنوعة ويعاقب عليها قانون خاص استحدث ليكون ضمن باقة القوانين المستحدثة التي جعلت القانون العراقي في حالة تحول شبيه بالتحول الألسني، هذا القانون يعاقب كل من نسخ أو باع أو اشترى احد الكتب الممنوعة المدرجة ضمن هذه القائمة المفتوحة التي يستطيع أي ضابط أمن أن يضيف أي عنوان يعتقد انه عنوان خطير لكاتب خطير، بالسجن لعدة سنوات، وهذا ما حصل للعديد من باعة الكتب في شارع المتنبي، بل ان الحالة تعدت الكتب الممنوعة ليكون هناك كتّاب ممنوعون كمظفر النواب واحمد مطر وعزيز السيد جاسم الذي اعدم على يد النظام السابق والجواهري والبياتي والقائمة تطول.
http://qasem73.jeeran.com/qas.jpg
هذا الشارع الذي ظل محفزاً لقلق السلطة حتى إنهم عينوا ضابط أمن عن هذا الشارع وما يدور فيه من تداول للأفكار وأحاديث الأدباء والمثقفين، خاصة وانه شارع ذو حركة يومية نشيطة، وفيه يجتمع الكثير من أدباء العراق في يوم الجمعة من كل أسبوع بشكل عفوي، مما دفع السلطات إلى افتعال مضايقات الغرض منها الحد من التقاء الأدباء، كأعمال الإنشاء وغلق الشارع وانتشار عناصر الشرطة العسكرية ودوريات الأمن والمداهمات التي كان يبرمج لها وتوقّت لتنفّذ في يوم الجمعة بالذات.
لكن إصرار الأدباء إلى جعل هذا الشارع متنفساً و جعله محوراً لانطلاق الثقافة العراقية والتقاء رموزها من خلال تظاهرة تشير إلى أن الثقافة العراقية حية.
http://qasem73.jeeran.com/qas2.jpg
شارع المتنبي الذي اظهر الثقافة الرافضة بصورة منشورات يتلقفها المثقفون، هذه المنشورات كانت عبارة عن مجاميع شعرية وكتب صغيرة مطبوعة بواسطة الكومبيوتر ومستنسخة لتوزع على شكل كتب، وفي هذه الشارع انطلقت حركة الاستنساخ للكتب الواردة من خارج العراق والتي كانت تعتبر من الكتب المحرّمة، وتم إصدار مطبوعات دورية بطريقة التفافية كمطبوع علامات ومجلة أشرعة ومناخات هذه المطبوعات التي لم تعمر أكثر من أعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وبهذا يكون هذا الشارع الذي ينحدر من كتف شارع الرشيد صوب دجلة، نافذة حقيقية اطلّ منها مثقفو العراق صوب الثقافة العربية والعالمية التي حاولت ثقافة القمع أن تحرمهم منها، هذا شارع المتنبي المكان الذي ارتسمت فيه ذاكرة أمينة للثقافة العراقية
http://worod20.jeeran.com/almutanabi2_1_.jpg
شارع المتنبي ظاهرة ثقافية فريدة
يبدو أن المقولة الشهيرة التي يرددها المثقفون العرب منذ خمسينات القرن الماضي، والتي تقول "لازالت القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ" تجد صداها لحد الآن، حيث إن عاصمة العباسيين، والتي احتفل أهلها قبل أيام بالذكرى 1280 لتأسيسها، والتي يبلغ تعداد نفوس سكانها اليوم 5.5 مليون نسمه ويدخلها يومياً حوالي مليون شخص من المحافظات القريبة لها، هي والثقافة صنوان لا يفترقان، ولا يمكن لأحد من أبنائها، أو من زائريها من أهل العلم والثقافة، عندما يصل إلى أحد مراكز بغداد المهمة، ومعالمها البارزة، كشارع الرشيد، إلا وأن تقوده قدماه، إلى شارع الثقافة، والرئة التي يتنفس منها أرباب الثقافة والفن، وأعني بذلك شارع المتنبي.
الموقع والتسمية
يقع هذا الشارع في الجانب الشرقي من نهر دجله، وسط العاصمة بغداد، والمسمى بـ"جانب الرصافة"، حيث يتفرع من أقدم، وأشهر شوارع بغداد، شارع الرشيد، وينتهي بـ"سوق السراي" من جهة اليسار، و"جديد حسن باشا" من جهة اليمين، ويبلغ طوله حوالي 250 متراً، وتتفرع من جانبيه عدة أفرع وأزقة، تشغلها مطابع ومحلات تجليد الكتب، وقد تمت تسميته بهذا الاسم من قبل أمانة العاصمة في ثلاثينيات القرن الماضي تيمناً بالشاعر الكوفي الذي ملأ الدنيا وشغلَ الناس قديماً وحديثاً: أبو الطيب المتنبي.
شارع المتنبي خلال العهود المختلفة
كان هذا الشارع يسمى بشارع المستشفى خلال حكم الأتراك للعراق، وذلك لوقوع إحدى المستشفيات فيه، حيث إنه كان قريباً من منطقة "القشلة" والتي فيها مقر الحكومة، قبل الاحتلال الإنكليزي للعراق. وبعد قيام الدولة العراقية، تم تأسيس المخبز العسكري "الأكمكخانة" في أحد جوانبه، والذي كان يتولى تجهيز الوحدات العسكرية بالخبز، أو مايسمى في العراق بـ"الصمون". وكان أصحاب المطابع ومحلات تجليد الكتب يشغلون أغلب مباني هذا الشارع، ولم تكن فيه أية مكتبة لبيع الكتب، حيث كانت أغلبها محصورة في الشارع المجاور له "شارع السراي".
وفي الخمسينات من القرن الماضي، بدأت المكتبات تنتقل من سوق السراي إلى شارع المتنبي وبدأت المطابع ومحلات تجليد الكتب تنسحب إلى داخل أزقته، حيث كانت أول مكتبة تنتقل إليه هي "المكتبه العصرية"، ثم تبعتها المكتبة الأهلية، ثم المثنى، والتي أصبحت من أشهر المكتبات في العراق، وتحولت إلى دار نشر أيضاً، ثم مكتبة المعارف، وبعدها التحقت بهم المكتبات الأخرى، أضافة إلى فتح مكتبات جديدة قدم أصحابها من مناطق أخرى، حتى تحول الشارع إلى معرض دائم للكتب، قبل أن تدخله محلات بيع القرطاسية والمستلزمات الدراسية. ومما يجب ذكره أن معظم الكتّاب العرب الذين كانوا يقدمون إلى بغداد، يزورون هذا الشارع، وتحديداً المكتبة العصرية، حيث كان من أشهر روادها، ميخائيل نعيمة، ومحمد خليل بيهم، والسيد حسن الأمين، كما ذكر لنا ذلك الباحث الأستاذ عبد الحميد الرشودي.
شارع المتنبي في زمن الحصار وما بعده
لعل الطفرة النوعية التي شهدها هذا الشارع، والتغيير الجذري الذي لحق به، وامتد تأثيره حتى وقتنا الحاضر، كانت خلال الفترة التي أعقبت حرب الخليج الثانية، حيث أنه بسبب تدهور الأحوال المعيشية، وشظف العيش الذي لحق بالشعب عموماً، وبمثقفيه خصوصاً، لمحدودية مواردهم المالية، فقد دفعتهم الحاجة إلى بيع مالديهم من كتب، وذلك لتأمين لقمة العيش والدواء. وتحول هذا الشارع إلى سوق بيع ومزادات علنية، لمئات من أمهات الكتب والمصادر في مختلف العلوم واللغات، وأصبح منظر أساتذة الجامعة، ومربي الأجيال، وهم يعرضون كتبهم على الأرض، أو من خلال بعض طلبتهم أو معارفهم هو منظر اعتيادي، لذلك نشأت طبقة جديدة من الباعة يسمون بـ"باعة البسطات" وهم الباعة الذين يعرضون الكتب والمجلات وأنواع المطبوعات الأخرى على الأرض والتي عادة ما تكون أسعارها متهاودة جداً، حيث إن سعر الكتاب يصل إلى نصف سعره المعروض ولنفس الطبعة والجودة، في واجهة إحدى المكتبات الموجودة في نفس الشارع. وقد شجع ذلك جمهور القراء على اقتناء، حتى مما قد لا يحتاجونه من كتب، في سبيل تزيين مكتباتهم الخاصة، ودفع بالكثيرين من الباعة خارج السوق إلى عرض مالديهم من مطبوعات داخله.
وأدى الانفتاح الذي شهده العراق، بعد سقوط النظام السابق، ودخول الكثير من المطبوعات التي كانت ممنوعة من الدخول إلى السوق العراقي، بسبب اتجاهاتها الفكرية والعقائدية التي لاتتوافق مع توجهات السلطة آنذاك، إلى ازدحام السوق بالكثير من المطبوعات التي كانت ضمن الممنوعات. ولك أن تتصور الكم الهائل من الكتب والدوريات والمجلات التي كانت ممنوعة من الدخول لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن وهي تدخل سوق العراق الآن ومن خلال هذه البوابة، ناهيك عن الكتب التي تتحدث عن تلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق، سواء من قبل ماكتبه بعض المسؤولين عن تلك الحقبة، أو شهود العيان، أو المذكرات الشخصية، والتي لاقت رواجاً كبيراً، حيث تم إعادة طبعها ولأكثر من مرة وحتى بدون الحصول على ترخيص من الكاتب نفسه. واستغلت الأحزاب السياسية هذا التجمع الثقافي وبدأت بتوزيع صحفها واصداراتها مجاناً على زوار الشارع.
شارع المتنبي أيام الجُمع
إن يوم الجمعة هو بحق عيد الثقافة الأسبوعي العراقي غير المعلن، حيث يفد رواد الثقافة في بغداد والمحافظات القريبة منها أفواجاً وزرافات، صباح هذا اليوم المبارك، إلى هذا الشارع، لاقتناء مايحتاجونه من كتب أو على الأقل، للاطلاع على المعروض. وتجد الجديد كل أسبوع لأن بعض الباعة لايعرضون الجديد لديهم إلا يوم الجمعة، كما أنه المكان المناسب للقاء بعضهم البعض، حيث أصبح هذا اليوم، وفي هذا الشارع، هو اليوم التقليدي، وعلى غير موعد، الذي يلتقي فيه الأساتذة والكتاب والأدباء.
أما بالنسبة للباعة وتحديداً "أصحاب البسطات" فإنهم يفدون منذ الصباح الباكر، حاملين معهم ماتم جمعه خلال أسبوع، من كتب ومجلات، إضافة إلى ما يحتفظون به من خزين محفوظ داخل إحدى غرف السوق، التي يقومون باستئجارها كمخزن، حيث يقومون بعرضها بطريقة منظمة، وكل كتاب يحمل سعرا معينا، أو تجميعها على شكل أكداس وبسعر مقطوع، وعلى المشتري أن يبحث عن الكتاب الذي ينوي شرائه.
وكلما اقترب الوقت من الظهيرة، كلما انخفضت أسعار هذه الكتب، لأنه الموعد الذي يبدأ فيه الزبائن بمغادرة الشارع، أما لتأدية صلاة الجمعة، أو بالعودة إلى منازلهم، حيث يرغب الباعة بالتخلص مما لديهم من معروض أملاً في الحصول على مجاميع جديدة.
إن لطلبة الجامعات، وطلبة الدراسات العليا، نصيبا وافرا في هذا المهرجان، حيث يسعى قسم كبير منهم لتأمين احتياجاتهم من الكتب المقررة أو المراجع، أو القواميس، من خلال هذا الشارع. والطريف في الأمر أن قاموس المورد الشهير يستنسخ ويجلد ويباع في هذا الشارع وبطريقة لايستطيع فيها القارىء العادي التمييز بينه وبين الطبعة الأصلية وهي طبعة بيروت، وعادة مايباع بسعر هو نصف سعر الطبعة الأصلية المعروضة إلى جانبه في هذا السوق.
لعل أكثر الأسواق والشوارع التي تحظى باهتمام وسائل الأعلام سواء العراقية أو العربية أو الأجنبية، هو شارع المتنبي، حيث دائماً ما تشاهد الكاميرات وهي تدور لتصوير بعض جوانبه، كما أن مندوبي الصحف والمجلات دائماً مايستوقفون الزائر، لسؤاله عن رأيه بالمعروض، وأسعار الكتب. ودائماً ما يتم إعداد تحقيقات تلفزيونية عن هذا الشارع. كما أن السياح الذين كانوا يزورون بغداد، وكذلك المستشرقين، كثيراً ماتراهم في هذا السوق وهم يبحثون إما عن خارطة لبغداد أو عن كتب قديمة.
والحقيقه التي نذكرها للقراء هي أن العراق يعتبر أرخص سوق لبيع الكتب في العالم، وحتى في أحلك الظروف التي مر بها، لأنه يحتفظ بخزين من الكتب سواء الموجود داخل المكتبات المنزلية، أو المكتبات الخاصة للبيع التي قد لا تجد ما يضاهيه في معظم بلدان العالم، وحتى المجاورة للعراق. وكانت الدولة تدعم أسعار الكتب المستوردة وبنسبة تصل إلى 50% كما أن معظم الدارسين من العراقيين في الخارج كانوا إما يجلبون معهم عشرات الكتب، أو يتم شحنها جوا او بحرا، بعد وصولهم، ثم اضطروا لبيعها، مما سهل على القارئ الحصول على كتب جيدة وبأسعار رخيصة. وأود أن أذكر أنه اثناء إعدادي لهذا الاستطلاع اشتريت كتاباً قيماً في علم الأحياء وباللغة الأنكليزية من أحد باعة البسطات وبسعر 500 دينار عراقي اي مايعادل حوالي 34 سنتاً.
أذا أردت كتاباً فابحث عنه عند الفلفلي
أن من يزور شارع المتنبي لابد أن يدخل إلى السوق الذي رفد هذا الشارع بمعظم مكتباته، ويُسلم على صاحب المكتبة التي أبى أصحابها مغادرة مكانها الأصلي في سوق السراي، والذي من النادر أن لاتجد ضالتك المنشودة في أي كتاب تبحث عنه فيها، ألا وهي مكتبة المرحوم "حسين الفلفلي". تأسست هذه المكتبة عام 1930، ويديرها اليوم أولاد المرحوم الفلفلي. وتضم هذه المكتبة كتبا قيمة في جميع الاختصاصات واللغات، ومنها مايعود تأريخها إلى عام 1800، وكذلك مخطوطات نادرة، وهي الملاذ الذي يلجأ اليه الباحثون، وطلبة الدراسات العليا. وقد كان من روادها أساطين الثقافة العربية، وكانت تعقد فيها اللقاءات الثقافية، كما أن أصحابها يرشدونك إلى أي كتاب أو مصدر قد يساعدك في إنجاز بحثك.
ولعل منظر رؤية الزوار الأجانب أو السياح هو من المناظر المألوفة أمام هذه المكتبة، حيث يبحثون عن كتب قديمة تخص حضارة العراق، أو مخطوطات نادرة أو خرائط. وقد التقيت هناك قبل مدة بباحثة أمريكية تبحث عن كتاب يتحدث عن الأدب الفارسي القديم وباللغة الفارسية، والغريب أنه قد تم تلبية طلبها وبسعر زهيد، لذلك لا غرابة أن يردد مثقفو العراق دائماً "إذا أردت كتاباً فابحث عنه عند الفلفلي"
مقهى الشابندر
في نهاية شارع المتنبي المقابل لسوق السراي، تقع أشهر المقاهي في بغداد اليوم والتي باتت الملتقى الأسبوعي للطبقة العالية من رواد شارع المتنبي. وهذه المقهى هي "مقهى الشابندر". تأسست هذه المقهى عام 1917، وسميت بالشابندر نسبة إلى أصحاب المبنى الذي تقع فيه هذه المقهى وهم ورثة "محمد سعيد الشابندر" من أعيان بغداد. وعند تأسيسها، وبسبب قربها من خمس وزارات وبضمنها وزارة العدل، حيث تتواجد بعض دوائرها، فإن معظم روادها كانوا من رجال القانون من الحكام والمحامين، وكذلك أصحاب الدعاوى الذين يراجعون المحاكم. وكانت خلال فترة الخمسينات تقام فيها حفلات المقام العراق، التي كان يحييها أحد أبرز قراء المقام وهو "رشيد القندرجي". وغالباً ماكان ريع هذه الحفلات لصالح المؤسسات الخيرية، ومنها مدرسة التفيض الأهلية، كما ذكر لنا ذلك صاحبها الحالي "الحاج محمد الخشالي".
أما اليوم، فإنها قد صارت الملتقى اليومي والأسبوعي للمثقفين، حيث يرتادها معظم أساتذة الجامعة والأدباء ورجال الأعلام الذين يزورون شارع المتنبي. كما أن لديها طقوساً خاصة، حيث يمنع التحدث فيها بصوت عال، ولا تمارس فيها بعض ألعاب اللهو والتسلية التي تمارس في المقاهي الأخرى مثل الدومينو والنرد "الطاولي". ويكتفى بتناول الشاي والحامض وتبادل الأحاديث. ولعل أجمل ما في هذا المقهى أن جلسات الزبائن هي حسب التخصصات، حيث يجلس على مقربة من صاحب المقهى وعلى طاولات الجلوس الخشبية مجموعة الحكام والمحامين وبشكل متقابل، في حين يجلس أساتذة الجامعة في الزاوية الواقعة في مؤخرة المقهى، وهكذا الحال بالنسبة لأصحاب التخصصات الأخرى.
المطابع ومحلات التجليد والتذهيب
يكاد يكون شارع المتنبي بيئة متكاملة لعملية إعداد الكتاب، وطبعه وتجليده ومن ثم بيعه. وتنتشر فيه وفي الأزقه المتفرعة المطابع ومحلات التجليد، والتي تتباين المطابع مابين تلك التي تستخدم ماكنات الطباعة الحديثة وتلك التي لازالت تستخدم ماكنات الطبع القديمة والتي يعود تأريخها إلى سنة 1900. أما بالنسبة لمحلات التجليد فإن معظمها يستخدم الطريقة اليدوية القديمة في تجليد الكتب والأطروحات الجامعية، واستخدام مادة الرصاص في إعداد الكليشيهات ومن ثم استخدام الورق المذُهب والمعامل حرارياً في إعداد أغلفة الكتب.
http://worod20.jeeran.com/1_211832_1_6_1_.jpg
شارع المتنبي شاهد على المسيرة الثقافية لبغداد
عادت بغداد عاصمة الحضارة والأدب لتنهض من جديد وكأن عقدين ونصف من الحروب والحصار غير قادرة على وقف المسيرة الثقافية لهذه المدينة العريقة تاريخيا، فهولاكو -الذي أحرق مكتباتها وألقى بكتبها بنهر دجلة- لم يمنعها من التربع على مجد الثقافة بين كل عواصم الدنيا.
وقبل أن يعيد العراقيون بناء بيوتهم التي أصابها ما أصابها من دمار وتخريب خلال الحرب، عادوا ليبحثوا عن غذاء العقل والروح قبل أن يتدبروا غذاء الجسد فاكتظ بهم شارع المتنبي الثقافي وسط بغداد حيث تنتشر كل أنواع وألوان الكتب في كل مربع وزاوية.
في شارع المتنبي لا مجال للمشي بأريحية، فممر المشاة ضيق ومحدود بعد أن احتلت بسطات الكتب مساحة واسعة من الشارع.
والعراقيون ليسوا حديثي العهد بالثقافة، وهذا الشارع ظل محط أنظار للمثقفين العراقيين والعرب منذ عشرات السنين، ولم يسلم بدوره من التأثر بالتغيير السياسي الكبير الذي حل على العراق كله.
يقول سالم النوري الذي كان يقف أمام بسطة من الكتب وسط الشارع إنه في السابق كانت هناك الكثير من الكتب الممنوعة التي لا يستطيعون عرضها للقراء والمترددين على الشارع، ولكن الآن لا وجود لقائمة ممنوعات ثقافية في العراق وأصبح بمقدور العراقي الإطلاع على كل نتاج العالم الثقافي.
الكتب التي تمجد حزب البعث الحاكم السابق بالعراق والتي كانت الحاضر الدائم على بسطات شارع المتنبي لم يعد لها وجود، وخلا الشارع تقريبا من صور الرئيس المخلوع صدام حسين إلا من بعضها الذي ظهر كغلاف لكتب تتكهن بأسباب سقوط بغداد المفاجئ.
وفي ظل العراق الجديد الذي لا يزال غير واضح المعالم فإن شارع المتنبي بدأ يلعب دورا سياسيا قد يكون ذا تأثير في تحديد شكل هذا البلد الذي اعتاد العيش في ظل فلسفة اللون الواحد. فعلى جنبات الشارع تتزاحم الشعارات السياسية التي تمجد هذا الحزب أو ذاك في محاولة لاستقطاب أكبر عدد من الناس للانضمام للأحزاب التي ظهرت حديثا على الساحة العراقية.
وبعض المعارضين والمثقفين العراقيين وجدوا في شارع المتنبي خير منبر لهم للتعبير عن معارضتهم للواقع السياسي في بلدهم، حيث تجمهر عشرات العراقيين أمام مجلة حائط خطها أحد الصحفيين العراقيين بيديه وضمنها مقالات تعكس معارضته الشديدة لقانون إدارة الدولة الذي أقر مؤخرا، مشيرا في حديثه مع الجزيرة نت إلى أنه سيعمد صباح كل جمعة لإعداد مثل هذه المجلة التي أطلق عليها اسم "كل جمعة". وهذا أمر كان مستحيلا أن يجرؤ على فعله قبل عام.
http://worod20.jeeran.com/1_211829_1_17_1_.jpg
وأما مقهى الشابندر الثقافي الواقع في بداية الشارع فقد عج كما هو معتاد صباح كل جمعة بعشرات المثقفين والأدباء والصحفيين والسياسيين، والشأن السياسي هو الغالب في هذه الأيام على أحاديث هذه الفئة من شرائح المجتمع العراقي.
ويقول رئيس تحرير مجلة الأقلام محمد مبارك الذي جلس برفقة عدد من الكتاب والروائيين العراقيين المعروفين إن الاحتلال الأميركي أسقط النظام الأمني والاجتماعي في البلاد، وأدخل العراق في دوامة من الفوضى واضطراب المقاييس مما أدى لانتشار الجريمة.
أما القاص والروائي شوقي كريم حسن فقد اعتبر أن من أفضل إيجابيات المرحلة الحالية في العراق على المستوى الثقافي موت الشرطي الذي زرعه النظام السابق في عقل وقلب كل مثقف عراقي، الأمر الذي حال دون هؤلاء ودون الإبداع الأدبي الذي يليق بحضارة العراق "كانت السياسة والجنس والدين هي ثلاثية ممنوعة يحرم علينا الاقتراب منها، لكن الآن لا قيود علينا سنفكر ونكتب بكل حرية".
شارع المتنبي.. شارع الثقافة والمنشورات السرية
انه ليس كبقية شوارع بغداد، انه يحمل في طياته وزواياه الثقافة العراقية، وتحولاتها ولحظات خوفها، هذا الشارع الذي يولد من شارع الرشيد منحدراً صوب نهر دجلة، وكأنه يوحي إليك بسرّيته، راسماً بهذه الولادة دلالة ايقونية تتشكل بتشكل الثقافة العراقية طيلة أكثر من ثلاثة عقود.
في هذا الشارع كان أدباء العراق ومثقفوه يتداولون الكتب التي أضحت بين ارتداد طرف القمع وارتقاء ثقافة المقصلة، كتباً تنذر بعهد من السرية والثقافة ذات الصوت المهموس ولو حاولنا أن نستوضح نوعية هذه الكتب لوجدناها قائمة مفتوحة تشتمل على العديد من العنوانات ولا تقتصر على كتب السياسية بل إنها تتعدى نحو الكتب الشعرية والروائية والكتب التي تتحدث عن اضطهاد الأقليات، من هذه الكتب على سبيل المثال لا الحصر: رواية الساعة الخامسة والعشرون كتب ماركس وانجلس وكتاب النقد الثقافي لعبد الله الغذامي، وبعض روايات عبد الرحمن منيف وكذلك دواوين سعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي وكل الكتب التي تخص بعض المذاهب الإسلامية و كثير من الكتب أصبحت كتباً ممنوعة ويعاقب عليها قانون خاص استحدث ليكون ضمن باقة القوانين المستحدثة التي جعلت القانون العراقي في حالة تحول شبيه بالتحول الألسني، هذا القانون يعاقب كل من نسخ أو باع أو اشترى احد الكتب الممنوعة المدرجة ضمن هذه القائمة المفتوحة التي يستطيع أي ضابط أمن أن يضيف أي عنوان يعتقد انه عنوان خطير لكاتب خطير، بالسجن لعدة سنوات، وهذا ما حصل للعديد من باعة الكتب في شارع المتنبي، بل ان الحالة تعدت الكتب الممنوعة ليكون هناك كتّاب ممنوعون كمظفر النواب واحمد مطر وعزيز السيد جاسم الذي اعدم على يد النظام السابق والجواهري والبياتي والقائمة تطول.
http://qasem73.jeeran.com/qas.jpg
هذا الشارع الذي ظل محفزاً لقلق السلطة حتى إنهم عينوا ضابط أمن عن هذا الشارع وما يدور فيه من تداول للأفكار وأحاديث الأدباء والمثقفين، خاصة وانه شارع ذو حركة يومية نشيطة، وفيه يجتمع الكثير من أدباء العراق في يوم الجمعة من كل أسبوع بشكل عفوي، مما دفع السلطات إلى افتعال مضايقات الغرض منها الحد من التقاء الأدباء، كأعمال الإنشاء وغلق الشارع وانتشار عناصر الشرطة العسكرية ودوريات الأمن والمداهمات التي كان يبرمج لها وتوقّت لتنفّذ في يوم الجمعة بالذات.
لكن إصرار الأدباء إلى جعل هذا الشارع متنفساً و جعله محوراً لانطلاق الثقافة العراقية والتقاء رموزها من خلال تظاهرة تشير إلى أن الثقافة العراقية حية.
http://qasem73.jeeran.com/qas2.jpg
شارع المتنبي الذي اظهر الثقافة الرافضة بصورة منشورات يتلقفها المثقفون، هذه المنشورات كانت عبارة عن مجاميع شعرية وكتب صغيرة مطبوعة بواسطة الكومبيوتر ومستنسخة لتوزع على شكل كتب، وفي هذه الشارع انطلقت حركة الاستنساخ للكتب الواردة من خارج العراق والتي كانت تعتبر من الكتب المحرّمة، وتم إصدار مطبوعات دورية بطريقة التفافية كمطبوع علامات ومجلة أشرعة ومناخات هذه المطبوعات التي لم تعمر أكثر من أعداد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وبهذا يكون هذا الشارع الذي ينحدر من كتف شارع الرشيد صوب دجلة، نافذة حقيقية اطلّ منها مثقفو العراق صوب الثقافة العربية والعالمية التي حاولت ثقافة القمع أن تحرمهم منها، هذا شارع المتنبي المكان الذي ارتسمت فيه ذاكرة أمينة للثقافة العراقية
http://worod20.jeeran.com/almutanabi2_1_.jpg
شارع المتنبي ظاهرة ثقافية فريدة
يبدو أن المقولة الشهيرة التي يرددها المثقفون العرب منذ خمسينات القرن الماضي، والتي تقول "لازالت القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ" تجد صداها لحد الآن، حيث إن عاصمة العباسيين، والتي احتفل أهلها قبل أيام بالذكرى 1280 لتأسيسها، والتي يبلغ تعداد نفوس سكانها اليوم 5.5 مليون نسمه ويدخلها يومياً حوالي مليون شخص من المحافظات القريبة لها، هي والثقافة صنوان لا يفترقان، ولا يمكن لأحد من أبنائها، أو من زائريها من أهل العلم والثقافة، عندما يصل إلى أحد مراكز بغداد المهمة، ومعالمها البارزة، كشارع الرشيد، إلا وأن تقوده قدماه، إلى شارع الثقافة، والرئة التي يتنفس منها أرباب الثقافة والفن، وأعني بذلك شارع المتنبي.
الموقع والتسمية
يقع هذا الشارع في الجانب الشرقي من نهر دجله، وسط العاصمة بغداد، والمسمى بـ"جانب الرصافة"، حيث يتفرع من أقدم، وأشهر شوارع بغداد، شارع الرشيد، وينتهي بـ"سوق السراي" من جهة اليسار، و"جديد حسن باشا" من جهة اليمين، ويبلغ طوله حوالي 250 متراً، وتتفرع من جانبيه عدة أفرع وأزقة، تشغلها مطابع ومحلات تجليد الكتب، وقد تمت تسميته بهذا الاسم من قبل أمانة العاصمة في ثلاثينيات القرن الماضي تيمناً بالشاعر الكوفي الذي ملأ الدنيا وشغلَ الناس قديماً وحديثاً: أبو الطيب المتنبي.
شارع المتنبي خلال العهود المختلفة
كان هذا الشارع يسمى بشارع المستشفى خلال حكم الأتراك للعراق، وذلك لوقوع إحدى المستشفيات فيه، حيث إنه كان قريباً من منطقة "القشلة" والتي فيها مقر الحكومة، قبل الاحتلال الإنكليزي للعراق. وبعد قيام الدولة العراقية، تم تأسيس المخبز العسكري "الأكمكخانة" في أحد جوانبه، والذي كان يتولى تجهيز الوحدات العسكرية بالخبز، أو مايسمى في العراق بـ"الصمون". وكان أصحاب المطابع ومحلات تجليد الكتب يشغلون أغلب مباني هذا الشارع، ولم تكن فيه أية مكتبة لبيع الكتب، حيث كانت أغلبها محصورة في الشارع المجاور له "شارع السراي".
وفي الخمسينات من القرن الماضي، بدأت المكتبات تنتقل من سوق السراي إلى شارع المتنبي وبدأت المطابع ومحلات تجليد الكتب تنسحب إلى داخل أزقته، حيث كانت أول مكتبة تنتقل إليه هي "المكتبه العصرية"، ثم تبعتها المكتبة الأهلية، ثم المثنى، والتي أصبحت من أشهر المكتبات في العراق، وتحولت إلى دار نشر أيضاً، ثم مكتبة المعارف، وبعدها التحقت بهم المكتبات الأخرى، أضافة إلى فتح مكتبات جديدة قدم أصحابها من مناطق أخرى، حتى تحول الشارع إلى معرض دائم للكتب، قبل أن تدخله محلات بيع القرطاسية والمستلزمات الدراسية. ومما يجب ذكره أن معظم الكتّاب العرب الذين كانوا يقدمون إلى بغداد، يزورون هذا الشارع، وتحديداً المكتبة العصرية، حيث كان من أشهر روادها، ميخائيل نعيمة، ومحمد خليل بيهم، والسيد حسن الأمين، كما ذكر لنا ذلك الباحث الأستاذ عبد الحميد الرشودي.
شارع المتنبي في زمن الحصار وما بعده
لعل الطفرة النوعية التي شهدها هذا الشارع، والتغيير الجذري الذي لحق به، وامتد تأثيره حتى وقتنا الحاضر، كانت خلال الفترة التي أعقبت حرب الخليج الثانية، حيث أنه بسبب تدهور الأحوال المعيشية، وشظف العيش الذي لحق بالشعب عموماً، وبمثقفيه خصوصاً، لمحدودية مواردهم المالية، فقد دفعتهم الحاجة إلى بيع مالديهم من كتب، وذلك لتأمين لقمة العيش والدواء. وتحول هذا الشارع إلى سوق بيع ومزادات علنية، لمئات من أمهات الكتب والمصادر في مختلف العلوم واللغات، وأصبح منظر أساتذة الجامعة، ومربي الأجيال، وهم يعرضون كتبهم على الأرض، أو من خلال بعض طلبتهم أو معارفهم هو منظر اعتيادي، لذلك نشأت طبقة جديدة من الباعة يسمون بـ"باعة البسطات" وهم الباعة الذين يعرضون الكتب والمجلات وأنواع المطبوعات الأخرى على الأرض والتي عادة ما تكون أسعارها متهاودة جداً، حيث إن سعر الكتاب يصل إلى نصف سعره المعروض ولنفس الطبعة والجودة، في واجهة إحدى المكتبات الموجودة في نفس الشارع. وقد شجع ذلك جمهور القراء على اقتناء، حتى مما قد لا يحتاجونه من كتب، في سبيل تزيين مكتباتهم الخاصة، ودفع بالكثيرين من الباعة خارج السوق إلى عرض مالديهم من مطبوعات داخله.
وأدى الانفتاح الذي شهده العراق، بعد سقوط النظام السابق، ودخول الكثير من المطبوعات التي كانت ممنوعة من الدخول إلى السوق العراقي، بسبب اتجاهاتها الفكرية والعقائدية التي لاتتوافق مع توجهات السلطة آنذاك، إلى ازدحام السوق بالكثير من المطبوعات التي كانت ضمن الممنوعات. ولك أن تتصور الكم الهائل من الكتب والدوريات والمجلات التي كانت ممنوعة من الدخول لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن وهي تدخل سوق العراق الآن ومن خلال هذه البوابة، ناهيك عن الكتب التي تتحدث عن تلك الفترة المظلمة من تاريخ العراق، سواء من قبل ماكتبه بعض المسؤولين عن تلك الحقبة، أو شهود العيان، أو المذكرات الشخصية، والتي لاقت رواجاً كبيراً، حيث تم إعادة طبعها ولأكثر من مرة وحتى بدون الحصول على ترخيص من الكاتب نفسه. واستغلت الأحزاب السياسية هذا التجمع الثقافي وبدأت بتوزيع صحفها واصداراتها مجاناً على زوار الشارع.
شارع المتنبي أيام الجُمع
إن يوم الجمعة هو بحق عيد الثقافة الأسبوعي العراقي غير المعلن، حيث يفد رواد الثقافة في بغداد والمحافظات القريبة منها أفواجاً وزرافات، صباح هذا اليوم المبارك، إلى هذا الشارع، لاقتناء مايحتاجونه من كتب أو على الأقل، للاطلاع على المعروض. وتجد الجديد كل أسبوع لأن بعض الباعة لايعرضون الجديد لديهم إلا يوم الجمعة، كما أنه المكان المناسب للقاء بعضهم البعض، حيث أصبح هذا اليوم، وفي هذا الشارع، هو اليوم التقليدي، وعلى غير موعد، الذي يلتقي فيه الأساتذة والكتاب والأدباء.
أما بالنسبة للباعة وتحديداً "أصحاب البسطات" فإنهم يفدون منذ الصباح الباكر، حاملين معهم ماتم جمعه خلال أسبوع، من كتب ومجلات، إضافة إلى ما يحتفظون به من خزين محفوظ داخل إحدى غرف السوق، التي يقومون باستئجارها كمخزن، حيث يقومون بعرضها بطريقة منظمة، وكل كتاب يحمل سعرا معينا، أو تجميعها على شكل أكداس وبسعر مقطوع، وعلى المشتري أن يبحث عن الكتاب الذي ينوي شرائه.
وكلما اقترب الوقت من الظهيرة، كلما انخفضت أسعار هذه الكتب، لأنه الموعد الذي يبدأ فيه الزبائن بمغادرة الشارع، أما لتأدية صلاة الجمعة، أو بالعودة إلى منازلهم، حيث يرغب الباعة بالتخلص مما لديهم من معروض أملاً في الحصول على مجاميع جديدة.
إن لطلبة الجامعات، وطلبة الدراسات العليا، نصيبا وافرا في هذا المهرجان، حيث يسعى قسم كبير منهم لتأمين احتياجاتهم من الكتب المقررة أو المراجع، أو القواميس، من خلال هذا الشارع. والطريف في الأمر أن قاموس المورد الشهير يستنسخ ويجلد ويباع في هذا الشارع وبطريقة لايستطيع فيها القارىء العادي التمييز بينه وبين الطبعة الأصلية وهي طبعة بيروت، وعادة مايباع بسعر هو نصف سعر الطبعة الأصلية المعروضة إلى جانبه في هذا السوق.
لعل أكثر الأسواق والشوارع التي تحظى باهتمام وسائل الأعلام سواء العراقية أو العربية أو الأجنبية، هو شارع المتنبي، حيث دائماً ما تشاهد الكاميرات وهي تدور لتصوير بعض جوانبه، كما أن مندوبي الصحف والمجلات دائماً مايستوقفون الزائر، لسؤاله عن رأيه بالمعروض، وأسعار الكتب. ودائماً ما يتم إعداد تحقيقات تلفزيونية عن هذا الشارع. كما أن السياح الذين كانوا يزورون بغداد، وكذلك المستشرقين، كثيراً ماتراهم في هذا السوق وهم يبحثون إما عن خارطة لبغداد أو عن كتب قديمة.
والحقيقه التي نذكرها للقراء هي أن العراق يعتبر أرخص سوق لبيع الكتب في العالم، وحتى في أحلك الظروف التي مر بها، لأنه يحتفظ بخزين من الكتب سواء الموجود داخل المكتبات المنزلية، أو المكتبات الخاصة للبيع التي قد لا تجد ما يضاهيه في معظم بلدان العالم، وحتى المجاورة للعراق. وكانت الدولة تدعم أسعار الكتب المستوردة وبنسبة تصل إلى 50% كما أن معظم الدارسين من العراقيين في الخارج كانوا إما يجلبون معهم عشرات الكتب، أو يتم شحنها جوا او بحرا، بعد وصولهم، ثم اضطروا لبيعها، مما سهل على القارئ الحصول على كتب جيدة وبأسعار رخيصة. وأود أن أذكر أنه اثناء إعدادي لهذا الاستطلاع اشتريت كتاباً قيماً في علم الأحياء وباللغة الأنكليزية من أحد باعة البسطات وبسعر 500 دينار عراقي اي مايعادل حوالي 34 سنتاً.
أذا أردت كتاباً فابحث عنه عند الفلفلي
أن من يزور شارع المتنبي لابد أن يدخل إلى السوق الذي رفد هذا الشارع بمعظم مكتباته، ويُسلم على صاحب المكتبة التي أبى أصحابها مغادرة مكانها الأصلي في سوق السراي، والذي من النادر أن لاتجد ضالتك المنشودة في أي كتاب تبحث عنه فيها، ألا وهي مكتبة المرحوم "حسين الفلفلي". تأسست هذه المكتبة عام 1930، ويديرها اليوم أولاد المرحوم الفلفلي. وتضم هذه المكتبة كتبا قيمة في جميع الاختصاصات واللغات، ومنها مايعود تأريخها إلى عام 1800، وكذلك مخطوطات نادرة، وهي الملاذ الذي يلجأ اليه الباحثون، وطلبة الدراسات العليا. وقد كان من روادها أساطين الثقافة العربية، وكانت تعقد فيها اللقاءات الثقافية، كما أن أصحابها يرشدونك إلى أي كتاب أو مصدر قد يساعدك في إنجاز بحثك.
ولعل منظر رؤية الزوار الأجانب أو السياح هو من المناظر المألوفة أمام هذه المكتبة، حيث يبحثون عن كتب قديمة تخص حضارة العراق، أو مخطوطات نادرة أو خرائط. وقد التقيت هناك قبل مدة بباحثة أمريكية تبحث عن كتاب يتحدث عن الأدب الفارسي القديم وباللغة الفارسية، والغريب أنه قد تم تلبية طلبها وبسعر زهيد، لذلك لا غرابة أن يردد مثقفو العراق دائماً "إذا أردت كتاباً فابحث عنه عند الفلفلي"
مقهى الشابندر
في نهاية شارع المتنبي المقابل لسوق السراي، تقع أشهر المقاهي في بغداد اليوم والتي باتت الملتقى الأسبوعي للطبقة العالية من رواد شارع المتنبي. وهذه المقهى هي "مقهى الشابندر". تأسست هذه المقهى عام 1917، وسميت بالشابندر نسبة إلى أصحاب المبنى الذي تقع فيه هذه المقهى وهم ورثة "محمد سعيد الشابندر" من أعيان بغداد. وعند تأسيسها، وبسبب قربها من خمس وزارات وبضمنها وزارة العدل، حيث تتواجد بعض دوائرها، فإن معظم روادها كانوا من رجال القانون من الحكام والمحامين، وكذلك أصحاب الدعاوى الذين يراجعون المحاكم. وكانت خلال فترة الخمسينات تقام فيها حفلات المقام العراق، التي كان يحييها أحد أبرز قراء المقام وهو "رشيد القندرجي". وغالباً ماكان ريع هذه الحفلات لصالح المؤسسات الخيرية، ومنها مدرسة التفيض الأهلية، كما ذكر لنا ذلك صاحبها الحالي "الحاج محمد الخشالي".
أما اليوم، فإنها قد صارت الملتقى اليومي والأسبوعي للمثقفين، حيث يرتادها معظم أساتذة الجامعة والأدباء ورجال الأعلام الذين يزورون شارع المتنبي. كما أن لديها طقوساً خاصة، حيث يمنع التحدث فيها بصوت عال، ولا تمارس فيها بعض ألعاب اللهو والتسلية التي تمارس في المقاهي الأخرى مثل الدومينو والنرد "الطاولي". ويكتفى بتناول الشاي والحامض وتبادل الأحاديث. ولعل أجمل ما في هذا المقهى أن جلسات الزبائن هي حسب التخصصات، حيث يجلس على مقربة من صاحب المقهى وعلى طاولات الجلوس الخشبية مجموعة الحكام والمحامين وبشكل متقابل، في حين يجلس أساتذة الجامعة في الزاوية الواقعة في مؤخرة المقهى، وهكذا الحال بالنسبة لأصحاب التخصصات الأخرى.
المطابع ومحلات التجليد والتذهيب
يكاد يكون شارع المتنبي بيئة متكاملة لعملية إعداد الكتاب، وطبعه وتجليده ومن ثم بيعه. وتنتشر فيه وفي الأزقه المتفرعة المطابع ومحلات التجليد، والتي تتباين المطابع مابين تلك التي تستخدم ماكنات الطباعة الحديثة وتلك التي لازالت تستخدم ماكنات الطبع القديمة والتي يعود تأريخها إلى سنة 1900. أما بالنسبة لمحلات التجليد فإن معظمها يستخدم الطريقة اليدوية القديمة في تجليد الكتب والأطروحات الجامعية، واستخدام مادة الرصاص في إعداد الكليشيهات ومن ثم استخدام الورق المذُهب والمعامل حرارياً في إعداد أغلفة الكتب.
http://worod20.jeeran.com/1_211832_1_6_1_.jpg
شارع المتنبي شاهد على المسيرة الثقافية لبغداد
عادت بغداد عاصمة الحضارة والأدب لتنهض من جديد وكأن عقدين ونصف من الحروب والحصار غير قادرة على وقف المسيرة الثقافية لهذه المدينة العريقة تاريخيا، فهولاكو -الذي أحرق مكتباتها وألقى بكتبها بنهر دجلة- لم يمنعها من التربع على مجد الثقافة بين كل عواصم الدنيا.
وقبل أن يعيد العراقيون بناء بيوتهم التي أصابها ما أصابها من دمار وتخريب خلال الحرب، عادوا ليبحثوا عن غذاء العقل والروح قبل أن يتدبروا غذاء الجسد فاكتظ بهم شارع المتنبي الثقافي وسط بغداد حيث تنتشر كل أنواع وألوان الكتب في كل مربع وزاوية.
في شارع المتنبي لا مجال للمشي بأريحية، فممر المشاة ضيق ومحدود بعد أن احتلت بسطات الكتب مساحة واسعة من الشارع.
والعراقيون ليسوا حديثي العهد بالثقافة، وهذا الشارع ظل محط أنظار للمثقفين العراقيين والعرب منذ عشرات السنين، ولم يسلم بدوره من التأثر بالتغيير السياسي الكبير الذي حل على العراق كله.
يقول سالم النوري الذي كان يقف أمام بسطة من الكتب وسط الشارع إنه في السابق كانت هناك الكثير من الكتب الممنوعة التي لا يستطيعون عرضها للقراء والمترددين على الشارع، ولكن الآن لا وجود لقائمة ممنوعات ثقافية في العراق وأصبح بمقدور العراقي الإطلاع على كل نتاج العالم الثقافي.
الكتب التي تمجد حزب البعث الحاكم السابق بالعراق والتي كانت الحاضر الدائم على بسطات شارع المتنبي لم يعد لها وجود، وخلا الشارع تقريبا من صور الرئيس المخلوع صدام حسين إلا من بعضها الذي ظهر كغلاف لكتب تتكهن بأسباب سقوط بغداد المفاجئ.
وفي ظل العراق الجديد الذي لا يزال غير واضح المعالم فإن شارع المتنبي بدأ يلعب دورا سياسيا قد يكون ذا تأثير في تحديد شكل هذا البلد الذي اعتاد العيش في ظل فلسفة اللون الواحد. فعلى جنبات الشارع تتزاحم الشعارات السياسية التي تمجد هذا الحزب أو ذاك في محاولة لاستقطاب أكبر عدد من الناس للانضمام للأحزاب التي ظهرت حديثا على الساحة العراقية.
وبعض المعارضين والمثقفين العراقيين وجدوا في شارع المتنبي خير منبر لهم للتعبير عن معارضتهم للواقع السياسي في بلدهم، حيث تجمهر عشرات العراقيين أمام مجلة حائط خطها أحد الصحفيين العراقيين بيديه وضمنها مقالات تعكس معارضته الشديدة لقانون إدارة الدولة الذي أقر مؤخرا، مشيرا في حديثه مع الجزيرة نت إلى أنه سيعمد صباح كل جمعة لإعداد مثل هذه المجلة التي أطلق عليها اسم "كل جمعة". وهذا أمر كان مستحيلا أن يجرؤ على فعله قبل عام.
http://worod20.jeeran.com/1_211829_1_17_1_.jpg
وأما مقهى الشابندر الثقافي الواقع في بداية الشارع فقد عج كما هو معتاد صباح كل جمعة بعشرات المثقفين والأدباء والصحفيين والسياسيين، والشأن السياسي هو الغالب في هذه الأيام على أحاديث هذه الفئة من شرائح المجتمع العراقي.
ويقول رئيس تحرير مجلة الأقلام محمد مبارك الذي جلس برفقة عدد من الكتاب والروائيين العراقيين المعروفين إن الاحتلال الأميركي أسقط النظام الأمني والاجتماعي في البلاد، وأدخل العراق في دوامة من الفوضى واضطراب المقاييس مما أدى لانتشار الجريمة.
أما القاص والروائي شوقي كريم حسن فقد اعتبر أن من أفضل إيجابيات المرحلة الحالية في العراق على المستوى الثقافي موت الشرطي الذي زرعه النظام السابق في عقل وقلب كل مثقف عراقي، الأمر الذي حال دون هؤلاء ودون الإبداع الأدبي الذي يليق بحضارة العراق "كانت السياسة والجنس والدين هي ثلاثية ممنوعة يحرم علينا الاقتراب منها، لكن الآن لا قيود علينا سنفكر ونكتب بكل حرية".