قائد بغداد
04-27-2009, 03:52 PM
http://www.boldline.net/uploads/img49df5e89642e6.jpg (http://www.boldline.net/uploads/img49df5e89642e6.jpg)
رفعت جادرجي يروي قصة نصب الحرية والجندي المجهول
http://almadapaper.net/sitepicture/1-1477.jpg (http://almadapaper.net/sitepicture/1-1477.jpg)بعد الثورة بقليل كلفني ذات يوم مجلس أمانة العاصمة بوضع تصاميم لثلاثة أنصاب تذكارية لتخليد ثورة 14 تموز وهي:
- نصب الجندي المجهول
- نصب 14 تموز
- نصب الحرية
وحدث قبل هذا ان كانت الحكومة العراقية في العهد الملكي تتفاوض مع الحكومة التركية لكي تنشئ الحكومتان ضريحين ضريحان لشاعرين أحدهما ضريح للشاعر الجاهلي امرئ القيس المدفون في أنقرة ويقيمه العراق والآخر ضريح لشاعر تركي مدفون في بغداد تقيمه تركيا،
وكان في نية الحكومة العراقية طرح ضريح الشاعر العربي في مسابقة معمارية فأخذت أتهيأ للاشتراك فيها وأعد في ذهني تصوراً مناسباً للضريح يكون له شكل ذو طابع عراقي، لذلك بدأت أدرس في ذلك الوقت شكل طاق كسرى وأقوم بتجريده وبتحويله من شكل يعتمد أصلاً على مكنة البناء بالآجر الى شكل يعتمد على مكنة الخرسانة المسلحة، وقد وضعت دراسة أولية لمشروع الضريح هذا، ثم تأجلت المسابقة وحدثت الثورة فطويت الفكرة نهائياً.
وما ان وصلت مكتبي عصر ذلك اليوم الذي وقع فيه التكليف حتى بدأت بوضع تصميم لنصب الجندي المجهول فأكملته خلال فترة وجيزة مستخدماً تصوري السابق لضريح امرئ القيس، كما انتفعت من خبرتي السابقة عندما استخدمت الطاق الخرساني في جامع سراج الدين، وبينما كان أحد الرسامين في المكتب يقوم برسم نصب الجندي المجهول حسب السكج الذي وضعته وافتني مكالمة تلفونية من وزارة الدفاع تطلب مني الحضور الى هناك في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي لغرض عرض تصاميم الأنصب على عبد الكريم قاسم.
لم أعترض محتجاً بضيق الوقت وقلت في نفسي: ان تصميم النصب الأول جاهز ولابد لي من إكمال تصميم النصب الثاني الآن وهنا على الفور، ثم تساءلت: لم يكون التصميم على شكل لافتة جميلة بدلاً من هذه اللافتات القبيحة المرفوعة الآن؟.. لافتة جميلة وتكون باقية وخالدة حسب قولهم.
كان موقع نصب 14 تموز قد عينه مجلس أمانة العاصمة في صباح ذلك اليوم بالذات الذي وقع فيه التكليف، والموقع هو حديقة غازي (الأمة لاحقاً) في الباب الشرقي، فقررت ان تكون اللافتة التي خطرت لي بطول عرض الحديقة بأسره أي خمسين متراً، وقررت أن يبلغ ارتفاع اللافتة عشرة أمتار ويكون ارتفاعها عن مستوى الأرض ستة أمتار، ثم قلت في نفسي: تملأ هذه اللافتة بأشكال برونزية تمثل يوم 14 تموز، ولتكن بديلاً لما يملأ شوارع العاصمة الآن، عندئذ وضعت سكج تصميم اللافتة الأولي.
وعند انتهاء الدوام في المكتب مساء ذلك اليوم أكملت رسم تصميمي للجندي المجهول و14 تموز.
في الموعد المحدد في صباح اليوم التالي ذهبت الى مقر وزارة الدفاع وعرضت التصميمين على عبد الكر يم قاسم، عند عرض التصميم الأول استحسانه وسألني عن موقعه فأخبرته ان مجلس أمانة العاصمة قرر أمس ان يكون موقع النصب في ساحة الميدان، وكان هذا في الحقيقة هو اقتراحي على المجلس وذلك لخلو الساحة وحجمها وقربها من وزارة الدفاع، فأيد اقتراحي عضو المجلس عبد الله إحسان كامل وجرت الموافقة عليه، لكن قاسم لم يقبل بهذا الموقع وبدأ يتكلم بإسهاب عن احتلال الجيش لبغداد ودخولها ماراً بساحة الفردوس وكيف يجب أن يكون موقع النصب في هذه الساحة بالذات، وبينما كان هو يتكلم كنت انا انتقل بذهني الى ساحة الفردوس متخيلاً إقامة النصب هناك فتتمثل أمامي المشكلة المعمارية الكبيرة التي ستواجهني في ذلك المكان وكيفية تلافي الآثر الذي ستحدثه ضخامة جامع الملك (الشهيد بعدئذ) المطل على الساحة والذي من شأنه تقويم النصب.
ثم عرضت على قاسم رسماً لنصب 14 تموز ولم يكن أكثر من تخطيط كبير لجدار مرتفع مسطح لاتظهر عليه علامات لمنحوتات ناتئة على الاطلاق وقد بينت له ان هذا السطح سيحتوي على نحت ناتئ يمثل الثورة، فوافق على الفكرة من دون مناقشة ومن دون ان يعيرها أي اهتمام، ربما لانه شغل نفسه بأمور أخرى طال حديثه عنها بشأن النصب الآخر.
شكلت بعد هذا الاجتماع لجنتان لأغراض تنفيذ إقامة هذين النصبين وخولتا الصلاحيات الكفيلة بتحقيق المشروعين من دون تقييدهما بالرجوع الى أية جهة أخرى حول أي شأن من الشؤون وخصصت لهما المبالغ اللازمة، اما النصب الثالث نصب الحرية فإنني لم أكن قد وجدت له حلاً تصميمياً في ذلك الوقت الضيق جداً، ولم أقدم تصميماً له، ثم نسيت أمره فنسيه الآخرون أيضاً، وهكذا طواه النسيان المطبق.
في مساء ذلك اليوم الذي تمت فيه المقابلة ذهبت أتفقد ساحة الفردوس ثم رجعت الى المكتب وانا أفكر في الحلول التي بموجبها أستطيع التقليل من أثر تقزيم النصب وإزالة شيء من حدته.
وبدأت اجري بعض التعديلات التي تدخل في التصحيح البصري مستخدماً أساليب التحدب التي تساعد في خداع النظر، وهي أساليب كان السومريون قد استعملوها على نحو بدائي ثم هذبها وطورها الإغريق.
وكان هدفي من هذا هو إظهار النصب للعين أكبر حجماً وأعلى ارتفاعاً من حقيقته.
كلفت إحسان شيرزاد بوضع التصاميم الإنشائية للنصبين، وباشرنا في بالتنفيذ الفعلي في أواخر شهر كانون الأول 1958، وكنت قد وضعت منهج عمل لإكمال النصبين يوم 12 تموز 1959 ما عدا المنحوتات البرونزية لنصب 14 تموز.
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/8/84/Bagdad_moschee01.jpg/517px-Bagdad_moschee01.jpg (http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/8/84/Bagdad_moschee01.jpg/517px-Bagdad_moschee01.jpg)وتصاعد نشاط العمل في نصب الجندي المجهول وأخذ يمتد حتى المساء بل ويستمر في الليل، أحياناً الى منتصف الليلة وأحياناً دون انقطاع حتى الفجر، كان الجميع يعملون بحماسة لإنتاج نصب يعبر عن انجاز للثورة، فضلاً عن الرغبة في تحدي الإجراءات الروتينية وإحباط بعض المعوقات الإدارية التي كانت تضعها الوزارة في طريقي بقصد تثبيط عملي النصب، وكان من أسباب ذلك عدم تأييدي لموقف الوزارة تجاه مؤسسة دوكسيادس، بل واعتراضي على ذلك الموقف ما أدى في أيار 1959 الى الاستغناء عن خدماتي كمدير للإسكان وبقائي في الوزارة كمهندس بلا عنوان وبلا وظيفة، وقد أتاح لي هذا الإجراء فرصة ذهبية للتفرغ الكامل لعملي في لنصبين.
أنشأت لنفسي مقراً في ساحة العمل لنصب الجندي المجهول وأخذت أتنقل بينه وبين الموقع الآخر لنصب 14 تموز، كنت متفرغاً لأتفقد الموقعين نهاراً وأزورهما مساءاً وأحياناً في ساعة متأخرة من الليل، ولما فكرت بالإضاءة اتصلت بشركة فيليبس لطلب خبير فتم استدعاء خبيرها بالإضاءة الذي كان آنذاك مقيماً في طهران فجاء الى بغداد وعرضت عليه مبادئ تصميم الجندي المجهول وبينت له بأنني أريد أن أضفي مسحة معاصرة على النصب على أن يتراءى في الوقت نفسه وكأنه بعيد للناظر لأضيف الى التصحيح البصري الذي استخدمته للإيحاء بالضخامة المفتعلة، فأختار الخبير لهذه الإضاءة اللون الأزرق.
أما في نصب 14 تموز فقد طلبت من خبير الإضاءة ان يضفي اللون عليه مسحة التقادم فيبدو وكأنه قد أكل عليه الزمن وبصورة تتوافق مع مظهر العتق الذي سيظهر على المنحوتات البرونزية نتيجة التأكسد الذي سيكسوها على مر السنين بذلك اللون الشذري المسمى بغشاوة الاخضرار لعراقة البرونز، وقلت للخبير أيضاً يا حبذا لو بدت النتيجة وكأن النصب هو بداية آشورية قديمة في بغداد وكان قولي هذا عفوياً ولا يمثل شبهاً حقيقياً بين النصب وبوابات آشور وانتخب الخبير لهذه الإضاءة اللون الأصفر.
استمر العمل بنشاط وحماسة مثابرة من قبل جميع العاملين الى ان أكمل النصب يوم 12 تموز 1959 وفق المنهج الموضوع.
اكتنفت أعمال النصبين حكايات كثيرة، أذكر منها ما قاله لي ذات يوم عبد الأمير أحمد الذي كان متعهداً لإحدى مراحل تثبيت الرخام في نصب الجندي المجهول، من ان العمال سمع وهو في الباص شخصاً يقول: ان تصميم هذا النصب عظيم وأنه قد قام بتصميمه خبراء سوفييت، وفي الأسبوع نفسه التقيت بخالي عارف آصف أغا أثناء أحدى زياراته الدورية لوالدتي فقال لي بغتة وهو بقاطع حديث الموجودين: رفعة.. كنت في مقهى في الاعظمية فسمعت من يقول، ولا يعرف علاقتي بك بأن رفعة الجادرجي قد سرق الكثير من عمل نصب الجندي المجهول، فاعتبرت الأمر هراء، وبعدها وفي اليوم نفسه كنت في مقهى في الباب الشرقي وإذا بآخر يقول الشيء نفسه، لذا أعترف لك ساروني الشك، وبما ان مقاول النصب صديق قديم لي وهو عبد حسن العزاوي ويمكنني أن أسره كما يسرني فطلبت منه ان يصارحني بالحقيقة فطمأنني وأنا أثق به، وعندها عرفت ان وراء هذه الأقاويل هدفاً سياسياً وشيوعياً ضدك وضد والدك.
سمعت هاتين الحكايتين وكانت الأسكلة الخشبية للنصب قد كملت، كنت كلما أنظر اليها أراها متناظرة ممشوقة، بل باهرة الحسن، قلت للمهندس المقيم بشير كه جه جي: الأسكلة جميلة والذي أتمناه ان يخرج النصب بعد إكماله بهذا الجمال، قال: سيكون أجمل.. كنت أزور موقع العمل بتكرار ملح وألج في ذلك لكي أطيل النظر الى الأسكلة كأنني قد عشقتها، الأسكلة مرحلة مهمة لابد منها لكنها تولد أثناء سير العمل وتزول بانتهائه الأسكلة تذهب والعمل يبقى، الأسكلة وظيفة جوهرية حتمية لكنها عابرة، فإذا ما أدت وظيفتها تفككت أخشابها وانطوت فلا تصبح حتى ولا ذكر الا في خاطر القليلين.
لا يطري عليها الا من أقامها ثم أزالها في سلسلة العمل المكمل لتوليد الإنشاء والمعرفة في نصب الأسكلة والجهد المفرغ فيها والعرق والنصب كله سيمحي من دون ان تطلب الأسكلة ثناء، بل من دون ان تتوقعه هذا مصير الأسكالات على الدوام.
على انه عندما كمل عمل صب الخرسانة في القوالب ورفعت الأسكلة وزال وجودها ثم رفعت القوالب ظهر النصب وانتهيت الى وجود تطابق بين رأس العقد الذي هو على شكل نصف دائرة وبين الجانب الذي يمتد من نهايته حتى الأرض بصورة منفرجة، كانت الخرائط التخطيطية للقوالب الخشبية قد أجرت هذه التسوية في الخطوط فوقع خطأ جزئي في قراءتها وتنفيذها ففقد الانسياب الممشوق بين النقطتين: نهاية نصف الدائرة وبداية الخط المائل، أصابتني الحيرة عند اكتشافي هذا الخطأ فما العمل؟ هل يمكن إصلاح الخطأ؟ وكان الجواب بالنفي لضيق الوقت، فانتابتني الكآبة لان تنفيذ النصب كان يجري بتسلسل متقن يتعاقب ببالغ الكمال، كم كنت أصبو ان أجد العمل في النهاية قد خلا من الشوائب فجاءت هذه الشائبة لتشوب صبوتي.
ان تكسير الخرسانة ثم إعادة صبها بشكل يكفل زوال العيب هو أمر ممكن لكنه يتطلب ستة أسابيع لا يقبل لنا بها لاقتراب موعد الافتتاح الرسمي، فقبلت بالعوار.. هذا العوار الواضح في جسم مكتمل جميل وأخذت أواسي نفسي قائلاً: جاء من بعدنا من يعتقد بأن هذا النصب يستحق البقاء فسيكون هناك متسع من الوقت لإزالة العوار.
بعد هذا بأشهر كنت مع جواد سليم في فلورنسا في إحدى الساحات وعند مرورنا أمام الكاتدرائية هناك وقف جواد أمام برج الأجراس للرسام جيوتو وقال يسألني: ما هو أهم شيء في هذا البرج؟ أخذت أبين بعض مبادئ التكوين لكن جواد قاطعني وقال: لا، المهم ان جيوتو لم يشهد البرج أثناء حياته ما عدا جزءا قليلاً منه، وترك مجرد سكج لا يحوي اكثر من مبدأ التصميم نفسه لكن العمل في تنفيذه استمر من بعده لعدة أجيال لإكماله كما جاء في السكج، اذن المهم هو تقييم عمل جيوتو والاستمرار به من قبل الأجيال اللاحقة، ثم تأمل جواد هنيهة والتفت نحوي متسائلاً: متى ستصبح مثلهم؟
كان سبب العوار الظاهر في النصب هو خطأ في صنع القالب وكانت الاسكلة تستره، تلك الاسكلة التي استهوت عاطفتي وشدتني الى التزاور الملحاح لموقع العمل لتأمل رشاقتها لكنها كانت تكن عواراً لن يمحي الا اذا أرادت الأجيال اللاحقة ان تزيله فأن لم ترد فسيظل العوار بادياً يملأ الساحة التي يشغلها النصب بأسرها كما كنت أحس كلما مررت من هناك وربما كلما مر من بعدي المرهفون الذين يؤذي أبصارهم العوار وان لم يعرفوا كم كانت الاسكلة جميلة ولو انها ولدت عواراً.
بعد مقابلته لعبد الكريم قاسم وموافقته على تصميم النصبين حدثت والدي في اليوم التالي عنهما فقال لي: ان هذه فرصة تاريخية ومن الضروري جداً عمل شيء حسن ، فأخبرته بأنني أدرك ضخامة المسؤولية، كما أخبرته بأن التصميمين قد اقرأ مبدئياً وان نصب الجندي المجهول هو تطوير لتصوري لضريح امرئ القيس وهو ما كنت قد بحثته مع والدي سابقاً وهو في السجن وأطلعته على مبادئ تصميمه هناك، اما نصب 14 تموز فقد بينت له بأن أصل فكرة الشكل مستوحاة من لافتة مهذبة دائمية، فقال: المهم في النحت الناتئ إبراز الجيشن في الوسط والا سيكون من الصعب قبول الفكرة من السلطة العسكرية.
وفي المساء نفسه زرت جواد سليم وعرضت عليه التصاميم الأولية لنصب 14 تموز وقلت له: هذه لافتة طولها خمسون متراً وارتفاعها عشرة أمتار فهل تستطيع ملئها بنحت برونزي؟ فتأمل قليلاً وبان عليه الفرح وقال: ان هذه أعظم فرصة في حياته وان هذا العمل سيجعلنا نرتبط بالآشوريين وسيكون اكبر عمل في العراق، فعرضت عليه ان موضع التكوين هو ثورة 14 تموز وطلبت منه ان يهيئ لي فكرة عن كيفية ملأ الجدار، وبعد يومين زرت جواد سليم لأتحرى فكرته فأعلمني بأنه لم تسنح له بعد فكرة واضحة في ذهنه ليعرضها، عند اذن قلت له المهم هو تقسيم الجدارية الى ثلاثة أقسام قبل الثورة ويوم الثورة وبعد الثورة على ان يبرز الجيش في قسم يوم الثورة وان يتوسط النصب، اما قبل الثورة فيرمز الى التهيؤ لها، وبعدها يرمز الى الازدهار المتوقع في الصناعة والزراعة، فأستحسن جواد المبدأ وقال: أصبحت لدي مادة للعمل بعد أيام زرته فأطلعني على سكج بالطين الصناعي (البلاستك) يمثل القسم الوسطي فقط اما ما يحيط به فقد سكج جواد على نفس اللوحة التي لصق في وسطها بلاستسين الجندي مخططاً للسجين في اليمين والحرية في اليسار فاستحسنت الاقتراح، وبعد البحث قليلاً اقترحت ان يبتدئ تسلسل النصب من اليمين الى اليسار، أي أن تكون رموز ما قبل الثورة في اليمين وما بعدها في اليسار لان اللغة العربية تكتب من اليمين الى اليسار، فاستحسنت جواد ذلك.
لم يقم الهيكل الخرساني للنصب من دون عائق درامي مثير فبعد نصب الاسكلة الهائلة الحجم بعمل شاق وصعوبات فنية جمة وتأخيرات في سير العمل الذي وضعت له برمجة مفصلة مع مقال العمل المهندس الشاب حسيب صالح، هبت في احدى الليالي على بغداد عاصفة ترابية هوجاء قلعت الاسكلة الضخمة بكاملها ن قواعدها، هرعت في الصباح الى موقع العمل فوجدت هناك حسيب صالح بادي الارتباك ولكنه شديد الانهماك بإعادة تنظيم العمل، قال لي بكلمات واضحة قطعية: لقد برمجت العمل ثانية وسيعاد بناء الاسكلة بطريقة محكمة خلال أيام قلائل وسنعوض الوقت المفقود، فأرجو ان تطمئن.
وما هي الا أيام حتى أنجز تثبيت المنحوتات على الجدار كما أرادها الفنان الذي صنعها ولم تكتحل بها عيونه، حيث انه سقط على الأرض أثر نوبة قلبية وقبل المباشرة بعملية اللحم والرفع والتثبيت، فنقل الى المستشفى الجمهوري وما هي الا بضعة أيام حتى فارق الحياة.
وتصاعدت سرعة التنفيذ وسويت التأخيرات الزمنية فعلاً وجرى التغلب على جميع العقبات وافتتح النصب في اليوم المحدد للافتتاح الرسمي، وان كان بقطعة واحدة فقط من النحت البرونزي الناتئ وهي قطعة (الحرية) وعلى هيكل خرساني عار من الرخام
رفعت جادرجي يروي قصة نصب الحرية والجندي المجهول
http://almadapaper.net/sitepicture/1-1477.jpg (http://almadapaper.net/sitepicture/1-1477.jpg)بعد الثورة بقليل كلفني ذات يوم مجلس أمانة العاصمة بوضع تصاميم لثلاثة أنصاب تذكارية لتخليد ثورة 14 تموز وهي:
- نصب الجندي المجهول
- نصب 14 تموز
- نصب الحرية
وحدث قبل هذا ان كانت الحكومة العراقية في العهد الملكي تتفاوض مع الحكومة التركية لكي تنشئ الحكومتان ضريحين ضريحان لشاعرين أحدهما ضريح للشاعر الجاهلي امرئ القيس المدفون في أنقرة ويقيمه العراق والآخر ضريح لشاعر تركي مدفون في بغداد تقيمه تركيا،
وكان في نية الحكومة العراقية طرح ضريح الشاعر العربي في مسابقة معمارية فأخذت أتهيأ للاشتراك فيها وأعد في ذهني تصوراً مناسباً للضريح يكون له شكل ذو طابع عراقي، لذلك بدأت أدرس في ذلك الوقت شكل طاق كسرى وأقوم بتجريده وبتحويله من شكل يعتمد أصلاً على مكنة البناء بالآجر الى شكل يعتمد على مكنة الخرسانة المسلحة، وقد وضعت دراسة أولية لمشروع الضريح هذا، ثم تأجلت المسابقة وحدثت الثورة فطويت الفكرة نهائياً.
وما ان وصلت مكتبي عصر ذلك اليوم الذي وقع فيه التكليف حتى بدأت بوضع تصميم لنصب الجندي المجهول فأكملته خلال فترة وجيزة مستخدماً تصوري السابق لضريح امرئ القيس، كما انتفعت من خبرتي السابقة عندما استخدمت الطاق الخرساني في جامع سراج الدين، وبينما كان أحد الرسامين في المكتب يقوم برسم نصب الجندي المجهول حسب السكج الذي وضعته وافتني مكالمة تلفونية من وزارة الدفاع تطلب مني الحضور الى هناك في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي لغرض عرض تصاميم الأنصب على عبد الكريم قاسم.
لم أعترض محتجاً بضيق الوقت وقلت في نفسي: ان تصميم النصب الأول جاهز ولابد لي من إكمال تصميم النصب الثاني الآن وهنا على الفور، ثم تساءلت: لم يكون التصميم على شكل لافتة جميلة بدلاً من هذه اللافتات القبيحة المرفوعة الآن؟.. لافتة جميلة وتكون باقية وخالدة حسب قولهم.
كان موقع نصب 14 تموز قد عينه مجلس أمانة العاصمة في صباح ذلك اليوم بالذات الذي وقع فيه التكليف، والموقع هو حديقة غازي (الأمة لاحقاً) في الباب الشرقي، فقررت ان تكون اللافتة التي خطرت لي بطول عرض الحديقة بأسره أي خمسين متراً، وقررت أن يبلغ ارتفاع اللافتة عشرة أمتار ويكون ارتفاعها عن مستوى الأرض ستة أمتار، ثم قلت في نفسي: تملأ هذه اللافتة بأشكال برونزية تمثل يوم 14 تموز، ولتكن بديلاً لما يملأ شوارع العاصمة الآن، عندئذ وضعت سكج تصميم اللافتة الأولي.
وعند انتهاء الدوام في المكتب مساء ذلك اليوم أكملت رسم تصميمي للجندي المجهول و14 تموز.
في الموعد المحدد في صباح اليوم التالي ذهبت الى مقر وزارة الدفاع وعرضت التصميمين على عبد الكر يم قاسم، عند عرض التصميم الأول استحسانه وسألني عن موقعه فأخبرته ان مجلس أمانة العاصمة قرر أمس ان يكون موقع النصب في ساحة الميدان، وكان هذا في الحقيقة هو اقتراحي على المجلس وذلك لخلو الساحة وحجمها وقربها من وزارة الدفاع، فأيد اقتراحي عضو المجلس عبد الله إحسان كامل وجرت الموافقة عليه، لكن قاسم لم يقبل بهذا الموقع وبدأ يتكلم بإسهاب عن احتلال الجيش لبغداد ودخولها ماراً بساحة الفردوس وكيف يجب أن يكون موقع النصب في هذه الساحة بالذات، وبينما كان هو يتكلم كنت انا انتقل بذهني الى ساحة الفردوس متخيلاً إقامة النصب هناك فتتمثل أمامي المشكلة المعمارية الكبيرة التي ستواجهني في ذلك المكان وكيفية تلافي الآثر الذي ستحدثه ضخامة جامع الملك (الشهيد بعدئذ) المطل على الساحة والذي من شأنه تقويم النصب.
ثم عرضت على قاسم رسماً لنصب 14 تموز ولم يكن أكثر من تخطيط كبير لجدار مرتفع مسطح لاتظهر عليه علامات لمنحوتات ناتئة على الاطلاق وقد بينت له ان هذا السطح سيحتوي على نحت ناتئ يمثل الثورة، فوافق على الفكرة من دون مناقشة ومن دون ان يعيرها أي اهتمام، ربما لانه شغل نفسه بأمور أخرى طال حديثه عنها بشأن النصب الآخر.
شكلت بعد هذا الاجتماع لجنتان لأغراض تنفيذ إقامة هذين النصبين وخولتا الصلاحيات الكفيلة بتحقيق المشروعين من دون تقييدهما بالرجوع الى أية جهة أخرى حول أي شأن من الشؤون وخصصت لهما المبالغ اللازمة، اما النصب الثالث نصب الحرية فإنني لم أكن قد وجدت له حلاً تصميمياً في ذلك الوقت الضيق جداً، ولم أقدم تصميماً له، ثم نسيت أمره فنسيه الآخرون أيضاً، وهكذا طواه النسيان المطبق.
في مساء ذلك اليوم الذي تمت فيه المقابلة ذهبت أتفقد ساحة الفردوس ثم رجعت الى المكتب وانا أفكر في الحلول التي بموجبها أستطيع التقليل من أثر تقزيم النصب وإزالة شيء من حدته.
وبدأت اجري بعض التعديلات التي تدخل في التصحيح البصري مستخدماً أساليب التحدب التي تساعد في خداع النظر، وهي أساليب كان السومريون قد استعملوها على نحو بدائي ثم هذبها وطورها الإغريق.
وكان هدفي من هذا هو إظهار النصب للعين أكبر حجماً وأعلى ارتفاعاً من حقيقته.
كلفت إحسان شيرزاد بوضع التصاميم الإنشائية للنصبين، وباشرنا في بالتنفيذ الفعلي في أواخر شهر كانون الأول 1958، وكنت قد وضعت منهج عمل لإكمال النصبين يوم 12 تموز 1959 ما عدا المنحوتات البرونزية لنصب 14 تموز.
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/8/84/Bagdad_moschee01.jpg/517px-Bagdad_moschee01.jpg (http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/8/84/Bagdad_moschee01.jpg/517px-Bagdad_moschee01.jpg)وتصاعد نشاط العمل في نصب الجندي المجهول وأخذ يمتد حتى المساء بل ويستمر في الليل، أحياناً الى منتصف الليلة وأحياناً دون انقطاع حتى الفجر، كان الجميع يعملون بحماسة لإنتاج نصب يعبر عن انجاز للثورة، فضلاً عن الرغبة في تحدي الإجراءات الروتينية وإحباط بعض المعوقات الإدارية التي كانت تضعها الوزارة في طريقي بقصد تثبيط عملي النصب، وكان من أسباب ذلك عدم تأييدي لموقف الوزارة تجاه مؤسسة دوكسيادس، بل واعتراضي على ذلك الموقف ما أدى في أيار 1959 الى الاستغناء عن خدماتي كمدير للإسكان وبقائي في الوزارة كمهندس بلا عنوان وبلا وظيفة، وقد أتاح لي هذا الإجراء فرصة ذهبية للتفرغ الكامل لعملي في لنصبين.
أنشأت لنفسي مقراً في ساحة العمل لنصب الجندي المجهول وأخذت أتنقل بينه وبين الموقع الآخر لنصب 14 تموز، كنت متفرغاً لأتفقد الموقعين نهاراً وأزورهما مساءاً وأحياناً في ساعة متأخرة من الليل، ولما فكرت بالإضاءة اتصلت بشركة فيليبس لطلب خبير فتم استدعاء خبيرها بالإضاءة الذي كان آنذاك مقيماً في طهران فجاء الى بغداد وعرضت عليه مبادئ تصميم الجندي المجهول وبينت له بأنني أريد أن أضفي مسحة معاصرة على النصب على أن يتراءى في الوقت نفسه وكأنه بعيد للناظر لأضيف الى التصحيح البصري الذي استخدمته للإيحاء بالضخامة المفتعلة، فأختار الخبير لهذه الإضاءة اللون الأزرق.
أما في نصب 14 تموز فقد طلبت من خبير الإضاءة ان يضفي اللون عليه مسحة التقادم فيبدو وكأنه قد أكل عليه الزمن وبصورة تتوافق مع مظهر العتق الذي سيظهر على المنحوتات البرونزية نتيجة التأكسد الذي سيكسوها على مر السنين بذلك اللون الشذري المسمى بغشاوة الاخضرار لعراقة البرونز، وقلت للخبير أيضاً يا حبذا لو بدت النتيجة وكأن النصب هو بداية آشورية قديمة في بغداد وكان قولي هذا عفوياً ولا يمثل شبهاً حقيقياً بين النصب وبوابات آشور وانتخب الخبير لهذه الإضاءة اللون الأصفر.
استمر العمل بنشاط وحماسة مثابرة من قبل جميع العاملين الى ان أكمل النصب يوم 12 تموز 1959 وفق المنهج الموضوع.
اكتنفت أعمال النصبين حكايات كثيرة، أذكر منها ما قاله لي ذات يوم عبد الأمير أحمد الذي كان متعهداً لإحدى مراحل تثبيت الرخام في نصب الجندي المجهول، من ان العمال سمع وهو في الباص شخصاً يقول: ان تصميم هذا النصب عظيم وأنه قد قام بتصميمه خبراء سوفييت، وفي الأسبوع نفسه التقيت بخالي عارف آصف أغا أثناء أحدى زياراته الدورية لوالدتي فقال لي بغتة وهو بقاطع حديث الموجودين: رفعة.. كنت في مقهى في الاعظمية فسمعت من يقول، ولا يعرف علاقتي بك بأن رفعة الجادرجي قد سرق الكثير من عمل نصب الجندي المجهول، فاعتبرت الأمر هراء، وبعدها وفي اليوم نفسه كنت في مقهى في الباب الشرقي وإذا بآخر يقول الشيء نفسه، لذا أعترف لك ساروني الشك، وبما ان مقاول النصب صديق قديم لي وهو عبد حسن العزاوي ويمكنني أن أسره كما يسرني فطلبت منه ان يصارحني بالحقيقة فطمأنني وأنا أثق به، وعندها عرفت ان وراء هذه الأقاويل هدفاً سياسياً وشيوعياً ضدك وضد والدك.
سمعت هاتين الحكايتين وكانت الأسكلة الخشبية للنصب قد كملت، كنت كلما أنظر اليها أراها متناظرة ممشوقة، بل باهرة الحسن، قلت للمهندس المقيم بشير كه جه جي: الأسكلة جميلة والذي أتمناه ان يخرج النصب بعد إكماله بهذا الجمال، قال: سيكون أجمل.. كنت أزور موقع العمل بتكرار ملح وألج في ذلك لكي أطيل النظر الى الأسكلة كأنني قد عشقتها، الأسكلة مرحلة مهمة لابد منها لكنها تولد أثناء سير العمل وتزول بانتهائه الأسكلة تذهب والعمل يبقى، الأسكلة وظيفة جوهرية حتمية لكنها عابرة، فإذا ما أدت وظيفتها تفككت أخشابها وانطوت فلا تصبح حتى ولا ذكر الا في خاطر القليلين.
لا يطري عليها الا من أقامها ثم أزالها في سلسلة العمل المكمل لتوليد الإنشاء والمعرفة في نصب الأسكلة والجهد المفرغ فيها والعرق والنصب كله سيمحي من دون ان تطلب الأسكلة ثناء، بل من دون ان تتوقعه هذا مصير الأسكالات على الدوام.
على انه عندما كمل عمل صب الخرسانة في القوالب ورفعت الأسكلة وزال وجودها ثم رفعت القوالب ظهر النصب وانتهيت الى وجود تطابق بين رأس العقد الذي هو على شكل نصف دائرة وبين الجانب الذي يمتد من نهايته حتى الأرض بصورة منفرجة، كانت الخرائط التخطيطية للقوالب الخشبية قد أجرت هذه التسوية في الخطوط فوقع خطأ جزئي في قراءتها وتنفيذها ففقد الانسياب الممشوق بين النقطتين: نهاية نصف الدائرة وبداية الخط المائل، أصابتني الحيرة عند اكتشافي هذا الخطأ فما العمل؟ هل يمكن إصلاح الخطأ؟ وكان الجواب بالنفي لضيق الوقت، فانتابتني الكآبة لان تنفيذ النصب كان يجري بتسلسل متقن يتعاقب ببالغ الكمال، كم كنت أصبو ان أجد العمل في النهاية قد خلا من الشوائب فجاءت هذه الشائبة لتشوب صبوتي.
ان تكسير الخرسانة ثم إعادة صبها بشكل يكفل زوال العيب هو أمر ممكن لكنه يتطلب ستة أسابيع لا يقبل لنا بها لاقتراب موعد الافتتاح الرسمي، فقبلت بالعوار.. هذا العوار الواضح في جسم مكتمل جميل وأخذت أواسي نفسي قائلاً: جاء من بعدنا من يعتقد بأن هذا النصب يستحق البقاء فسيكون هناك متسع من الوقت لإزالة العوار.
بعد هذا بأشهر كنت مع جواد سليم في فلورنسا في إحدى الساحات وعند مرورنا أمام الكاتدرائية هناك وقف جواد أمام برج الأجراس للرسام جيوتو وقال يسألني: ما هو أهم شيء في هذا البرج؟ أخذت أبين بعض مبادئ التكوين لكن جواد قاطعني وقال: لا، المهم ان جيوتو لم يشهد البرج أثناء حياته ما عدا جزءا قليلاً منه، وترك مجرد سكج لا يحوي اكثر من مبدأ التصميم نفسه لكن العمل في تنفيذه استمر من بعده لعدة أجيال لإكماله كما جاء في السكج، اذن المهم هو تقييم عمل جيوتو والاستمرار به من قبل الأجيال اللاحقة، ثم تأمل جواد هنيهة والتفت نحوي متسائلاً: متى ستصبح مثلهم؟
كان سبب العوار الظاهر في النصب هو خطأ في صنع القالب وكانت الاسكلة تستره، تلك الاسكلة التي استهوت عاطفتي وشدتني الى التزاور الملحاح لموقع العمل لتأمل رشاقتها لكنها كانت تكن عواراً لن يمحي الا اذا أرادت الأجيال اللاحقة ان تزيله فأن لم ترد فسيظل العوار بادياً يملأ الساحة التي يشغلها النصب بأسرها كما كنت أحس كلما مررت من هناك وربما كلما مر من بعدي المرهفون الذين يؤذي أبصارهم العوار وان لم يعرفوا كم كانت الاسكلة جميلة ولو انها ولدت عواراً.
بعد مقابلته لعبد الكريم قاسم وموافقته على تصميم النصبين حدثت والدي في اليوم التالي عنهما فقال لي: ان هذه فرصة تاريخية ومن الضروري جداً عمل شيء حسن ، فأخبرته بأنني أدرك ضخامة المسؤولية، كما أخبرته بأن التصميمين قد اقرأ مبدئياً وان نصب الجندي المجهول هو تطوير لتصوري لضريح امرئ القيس وهو ما كنت قد بحثته مع والدي سابقاً وهو في السجن وأطلعته على مبادئ تصميمه هناك، اما نصب 14 تموز فقد بينت له بأن أصل فكرة الشكل مستوحاة من لافتة مهذبة دائمية، فقال: المهم في النحت الناتئ إبراز الجيشن في الوسط والا سيكون من الصعب قبول الفكرة من السلطة العسكرية.
وفي المساء نفسه زرت جواد سليم وعرضت عليه التصاميم الأولية لنصب 14 تموز وقلت له: هذه لافتة طولها خمسون متراً وارتفاعها عشرة أمتار فهل تستطيع ملئها بنحت برونزي؟ فتأمل قليلاً وبان عليه الفرح وقال: ان هذه أعظم فرصة في حياته وان هذا العمل سيجعلنا نرتبط بالآشوريين وسيكون اكبر عمل في العراق، فعرضت عليه ان موضع التكوين هو ثورة 14 تموز وطلبت منه ان يهيئ لي فكرة عن كيفية ملأ الجدار، وبعد يومين زرت جواد سليم لأتحرى فكرته فأعلمني بأنه لم تسنح له بعد فكرة واضحة في ذهنه ليعرضها، عند اذن قلت له المهم هو تقسيم الجدارية الى ثلاثة أقسام قبل الثورة ويوم الثورة وبعد الثورة على ان يبرز الجيش في قسم يوم الثورة وان يتوسط النصب، اما قبل الثورة فيرمز الى التهيؤ لها، وبعدها يرمز الى الازدهار المتوقع في الصناعة والزراعة، فأستحسن جواد المبدأ وقال: أصبحت لدي مادة للعمل بعد أيام زرته فأطلعني على سكج بالطين الصناعي (البلاستك) يمثل القسم الوسطي فقط اما ما يحيط به فقد سكج جواد على نفس اللوحة التي لصق في وسطها بلاستسين الجندي مخططاً للسجين في اليمين والحرية في اليسار فاستحسنت الاقتراح، وبعد البحث قليلاً اقترحت ان يبتدئ تسلسل النصب من اليمين الى اليسار، أي أن تكون رموز ما قبل الثورة في اليمين وما بعدها في اليسار لان اللغة العربية تكتب من اليمين الى اليسار، فاستحسنت جواد ذلك.
لم يقم الهيكل الخرساني للنصب من دون عائق درامي مثير فبعد نصب الاسكلة الهائلة الحجم بعمل شاق وصعوبات فنية جمة وتأخيرات في سير العمل الذي وضعت له برمجة مفصلة مع مقال العمل المهندس الشاب حسيب صالح، هبت في احدى الليالي على بغداد عاصفة ترابية هوجاء قلعت الاسكلة الضخمة بكاملها ن قواعدها، هرعت في الصباح الى موقع العمل فوجدت هناك حسيب صالح بادي الارتباك ولكنه شديد الانهماك بإعادة تنظيم العمل، قال لي بكلمات واضحة قطعية: لقد برمجت العمل ثانية وسيعاد بناء الاسكلة بطريقة محكمة خلال أيام قلائل وسنعوض الوقت المفقود، فأرجو ان تطمئن.
وما هي الا أيام حتى أنجز تثبيت المنحوتات على الجدار كما أرادها الفنان الذي صنعها ولم تكتحل بها عيونه، حيث انه سقط على الأرض أثر نوبة قلبية وقبل المباشرة بعملية اللحم والرفع والتثبيت، فنقل الى المستشفى الجمهوري وما هي الا بضعة أيام حتى فارق الحياة.
وتصاعدت سرعة التنفيذ وسويت التأخيرات الزمنية فعلاً وجرى التغلب على جميع العقبات وافتتح النصب في اليوم المحدد للافتتاح الرسمي، وان كان بقطعة واحدة فقط من النحت البرونزي الناتئ وهي قطعة (الحرية) وعلى هيكل خرساني عار من الرخام