تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : خواطر في حضرة سيدي أبي الحسن



قلم رصاص
09-19-2008, 03:05 PM
عاريا جئتك ، كما أنا . . عاريا وحزينا . لم ألون وجهي بماء الوضوء ، تركته كالحا وحزينا كما تعرفه .
لم اطهر ثيابي ، وما غسلت قلبي بشيء من التحميد والتهليل .
ثيابي ملوثة بغبار الطرق الذليلة ، وقلبي كالفحم اسود .
متعب حد الألم . . بئر حزن . . شجرة تعصف بها الرياح الرمادية ، فراغ . . فراغ . ليس أكثر من فراغ كبير .
ولأنني أعرفك جئت إليك .
فانا بحاجة إلى الحديث مع إنسان صادق ، وأنت صادق ورءوف ورحيم . أنت من احتاج إليه بالضبط . . أريد أن أكون في حضرته . . ولماذا هذا الكلام الذي لا أظنك تحبه . . أكون في حضرته ! إنني أريد أن اجلس إلى جانبك . . أن يضمني معك مجلس واحد ، فأسمع كلامك ، وأتأمل في وجهك ، واشم منك رائحة الإنسان . . هذا هو كل ما أريد . . أن أشم رائحة الإنسان التي لا توجد إلا فيك . عندها لن اشعر بالغربة . ربما ستمسح بيدك على صدري ، فيغدو خاليا من الحنق ، ويتطهر ماء القلب الأسود .
تعرف أنني اطمع بأكثر من هذا . . ما دمت معك ، فلماذا لا اطمع ؟
أريد منك أن تضع يدك على صدري ، هذا بعد أن ينصرف الآخرون بحاجاتهم ، وتدعو أن تحل السكينة فيه . . سكينة إلى الأبد ، أو صبر . . صبر جميل يجعلني أطيق وجودي وأعباء الوجود . . لا ، لا أريد الصبر ، فأنت تعرف طعمه .
تعرف أنني لم أجئك لأنسى ، بل جئتك هاربا من وسخ الأيام ، ورائحة الدم البشري في مجرى الزمن الأحمر ، الأسود ، الأخضر كطحالب على وجنة متفسخة . . الزمن الذي بلا لون . . الزمن العماء . . العناء .
جئتك اهوي كصخرة هشة نبذها الجبل ، أو لماذا عليّ أن أشبه حالي ؟ يكفي أن أقول : جئتك إنسان متعب ، وستفهمني . . جئتك ، لكنني لم أجدك ، فتخيل الكارثة !
حزمت أمري وسافرت إليك ، مع انك في وجداني ، أكلمك وقتما أشاء . لكنك أصبحت في هذه الزيارة ، الصديق الذي أمر بداره وأنا في الطريق إلى العمل . . اسلم عليه . . أتحدث معه قليلا . . أشكو له فيواسيني . . يغسل روحي من وسخ أوجاعها ، وارحل .
وجدتك تنوء بحمل قصر من الرخام والمرمر والذهب . . قباب ومآذن شاهقة وأبواب مرصعة . قصر أكثر بذخا من قصر الخبال الذي أبيت أن تسكنه ، فبنيت إلى جانبه بيتك المتواضع ، حيث يستطيع الأيتام أن يزوروك بدون خوف ، ويطرق الفقراء بابك في أي وقت . . حيث يمكن لمثلي أن يدخل آمنا مطمئنا. لكني اعرف الحيلة ، واعرف كم أنت حزين ، لذلك لن أتكلم لك عنهم ، فأنت بحر متلاطم من العظمة تغرق فيه الأوجاع ، وتبقى أمواجه شامخة ومشعة .
فتشني الحرس ، اخذوا هاتفي ، وشاهدوا هويتي ، ثم سمحوا لي في الدخول لما عرفوا أنني لا أشكل خطرا . اجتزت الفناء الكبير ، ووقفت في باب الحضرة مع الواقفين . قرأت مراسم زيارتك المعلقة في أعلى الباب ، واستأذنت الله والملائكة والرسول في الدخول كباقي الناس ، مع أنني اعرف أن طرقات خفيفة على باب بيتك تكفي للسماح بالدخول ، لكن بيتك الآن لم يعد بيتك . . هل من داع لأتكلم ؟
كان الناس يطوفون حول القفص الفضي بخشوع وضراعة ، تلهج ألسنهم بالأدعية ، وتتمتم شفاههم بالطلبات . . يؤدون مراسم زيارتهم بنفوس مطمئنة لأنهم قريبون منك ، يشمون أنفاسك ، ويعلمون أنهم قد وضعوا حاجاتهم بيد أمينة ، فأنت تلك الروح العظيمة التي تطوف حول القفص . بعضهم كان يبكي حبا بك وشوقا إليك ، وآخرون يذرفون دموعهم لأنهم يشعرون بتراكم ظلام القرون على كواهلهم . . كان المشهد رائعا ، لكنني لم أرك ، فهذا المكان ليس بيتك ، شعرت ببرودة المرمر تحرق قدمي . حاولت أن اردد بعض الأدعية . . أن أقول كلاما ، أي كلام . اقتربت من القفص الفضي ، وشممت عطر ماء الورد ، لكن الكلام بقي حبيسا في قاع روحي . . عندي من الكلام ما لا يختزل في عبارات كثيرة ، صرخة تشق صدري قد تكفي . . صرخة كنزف الدم الأسود من شرايين المظلومين . عبارة قصيرة أخذت تتردد على شفاهي ولم اعرف من أين جاءت ، ولا ماذا اقصد بها " لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " وخرجت .
اجتزت الأبواب بسرعة . المرمر يحرق قدمي ، ويتوهج الذهب بحره فوق راسي . ألمي وحده يرافقني ، والشعور بالذنب . . كيف توقعت أن أجدك هناك ؟ . . أنت الذي تكره بريق الذهب ، ولم تقف قدماك على المرمر . خرجت وأنا اشعر بالغباء . . اشعر بالخيانة . فأنت لا يمكن أن تسكن في سجن ذهبي شاهق يا صاحب الفقراء والأيتام . . والحائرين .
روحي ضالة تبحث عنك ، فأنت مصباح خلاصها ، نفس صادق منك يقضي على ترددها في اللا يقين ، تلك الأرجوحة البغيضة من الشك والتمزق . . لماذا قصدت القصر الذهبي ، وأنت تسكن فيّ ؟ كل ريح طيبة تهب في نفسي ، فهي منك .
في الشارع المقفر من الناس ، تلاشت غيوم الحيرة ، فوجدتك . تلبس ثوبك الخشن المرقع ، وتحمل على ظهرك كيس الزاد ، تطرق أبواب الفقراء وتوزعه عليهم . . ثم تعتذر . رايتك تقف أمام يتيم وتذرف دموعك . . تجلس إلى جانب امرأة تمد يدها للسؤال ، وتبكي . . تنظر من حولك . . تنظر إلى كل شيء ، فتبكي . أبنية شاهقة تتخذ من علو سجنك ذريعة للارتفاع . . تجار يخدعون الناس باسم جوارك ، واسمك مكتوب على جدران لم تؤسس على التقوى . . اسمك يا سيدي أصبح سلما يرتقيه اللصوص إلى السلطة ، أولئك الذين يأكلون مال اليتيم . . لذلك أنت حزين . . لذلك أنت تتململ تململ السليم في غربتك .
رأيتك ، وجرح سلب المرأة المعاهدة قرطها مازال نديا في قلبك ، وصدى صوتك مازال يتردد في المكان أسى وحسرة . كم درت بعينيك في وجوه الناس ولكنك لم تر أحدا ، فذهبت إلى المقبرة . غرست كفك في الأرض ، ورحت تبث همومك لها ، فانبتت أشجارا تقطر دما . . ذلك الدم هو دمك المسفوح على طاولة المزايدات . . دمك الذي تسحقه عجلات الغزاة من بني الأصفر . . لقد دخلوا عقر مدينتك . . دخلوها لما وجدوك سجينا في قصر القباب الذهبية ، والمنائر العالية ، وهناك أحزنك صدى صوت يتردد منذ مئات الأعوام " أما من ناصر ينصرنا " ، فلا يجد ناصرا غير أصوات خافتة ، تخاف أن يتخطفها الناس .
تعبت يا سيدي . . تعبت من النظر إلى دمعة اليتيم ، تنعكس فيها صورة بناء شاهق لولاة تسللوا إلى خزانة بيت المال في بطون عجلات الغزاة ، وهم يلهجون باسمك . . صرخت : علي . . يا علي ، هل ترى كل هذا الزيف ؟ علي . . يا علي ، لقد أتعبتني هذه اللوحة النشاز ، فانا يا مولاي كيان دكه العهر ، وأعدائي / أعداؤك ، أكثر صلفا من كل العاهرات . علي . . . . وبكيت . ارتميت على صدرك الفياض بالطيبة ، جرح ضمادته عبق إيمانك . . قطرة من بحر إيمانك تغرق كل شكوكي . صحت : علي . . يا علي . . يا علي ، من أكثر تعبا مني . فقلت : أنا .
ــ سيدي ، هل أنت متعب ؟!
فقلت :
ــ أي والله يا ولدي ، متعب أنا .
متعب أنت يا سيدي . . سجين ، فمن ذا الذي يطلقك في النفوس ، وكل رفاقك ماتوا . . قتلوا . متعب أنت لأن سياط الجلادين تمزق ظهور محبيك باسمك . . علي ، يا نسمة العطف والغضب ، كيف سرقوك يا سيدي ؟ مددت يدك إلى راسي ، وقلت : لا تحزن . احتلت الطمأنينة روحي . بيضاء صارت الأفكار وهادئة .
أخذت بيدي إلى بيتك . مشينا عبر أزقة معبدة بالصخور ، بين بيوت واطئة ، متباعدة ، حتى وصلنا إلى بيت طيني مسقف بالأعمدة والحصر . دفعت بيدك الباب ، وقلت : ادخل ، فدخلت . غسلنا وجهينا بماء البئر . رأيت طيورا بألوان براقة تحلق في فضاء البيت ، وسمعت صوتا يرتل القران من الغرفة المجاورة ، شممت عطرا فامتلأت روحي بالسكينة ، ووددت لو اغفوا ، لكن النظر إلى وجهك شغلني عن نعاسي . كنت أريد للحظات أن تمتد . . أن تصبح لا متناهية . سألتني إذا ما كنت جائعا ، فقلت : أي والله ، أنا جائع ، فمذ خلقت لم يدخل جوفي طعام حلال . نهضت بجلالك وأحضرت طعاما للضيف . خجلت من وقاحتي ، فأردت أن اعتذر ، لكنك بادرتني بالإجابة فخجلت أكثر . وضعت أمامي مائدة متنوع طعامها ، واخترت لنفسك طعامها المعهود ، رغيف من خبز الشعير ، لبن ، وجريش ملح . أكلت بنهم . غسل طعامك معدتي وغير خلايا جسدي . اعذرني يا سيدي على سوء خلقي ، فأي لذة هذه التي للطعام الحلال ؟ لقد شبعت ، فانا الآن إنسان آخر .
نظرت إلى ساعتي ، أصبح الوقت متأخرا . بعد قليل سوف تغلق الطرق ، وتصبح العودة إلى عيالي مستحيلة ، رغم أنني أود أن أبقى معك . نسيت أنني جئتك لأشكو . . لأسمع منك ما يخفف عن نفسي ثقل الوجود .

صدىالصمت
09-20-2008, 02:04 PM
بسمه تعالى

قرات موضوعك اكثر من مرة..استوقفتني عبرات وعبرات
شعرت في البعض منها ..انها كلمة حق يراد بها باطل...
هل يمكن ان نصور ضريح امامنا عليه السلام بالقفص؟؟؟؟؟
او ضريح الامام عليه السلام بالسجن؟؟؟؟
لله سبحانه وتعالى بيت بابه من ذهب ايضا.. وكسوة بالالف الدولاارات....فماذا تقول عنها؟؟؟

موضوع به جمالية تشكر عليها..ولكنه لا يخلو من الاستفزاز

مشكور خوية قلم رصاص..لاثارة كل هذه التناقضات في داخلي

قلم رصاص
09-22-2008, 07:29 AM
شكرا لمرورك أختي الكريمة رغم إعتراضي على تعبيرك((كلمة حق يراد بها باطل))...

&نور&
09-23-2008, 03:42 PM
ذكرتني كلماتك بصديقة لي كلما اذهب لزيارة سيدي ومولاي تحملني الادعيه والوصايا وبين جمله واخرى تستدرك قائله (( بعد هوه يعرف ..)) وقصدها الامام طبعا ثم تقول قولي له كذا وكذا - وهو يعرف اكيد -..
ابتسم في داخلي وانا استمع لوصاياها..
ولكن شعور واي شعور يخالجني عندما اقف امام ضريحه وانا احاول ان استجمع افكاري بين مزاحمات الناس والاصوات العاليه وانعكاس الضوء على المرايا والذهب وووو..
احاول ان اذكر كل من اوصاني بالدعاء وفي النهايه ابتسم بخجل امام سيدي واقول (( بعد انته تعرف ..^^
...

الشاهد بين كل ماذكرت ..
انا نذكر في الزياره ان الامام حاضر يرى مقام زواره ويسمع كلامهم ويرد سلامهم..
((.. ولكنك حجبت عن سمعي كلامهم وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم ..))..

قدتتشابك الافكار حينا وترتبك..
ولكن بمجرد دخولك في حضرته ليس فقط بجسدك ولكن بروحك وقلبك وكل جوارحك مؤكد سيصدق القول ..

احتلت الطمأنينة روحي . ..

بيضاء صارت الأفكار وهادئة ...


عميق جداً ماخطه قلمك اخي الكريم..
وقفت عند جزئيه معينه..
اما باقي ماكتب فربما التعليق عليه يحتاج دهراً..

سلام الله عليك ورحمته وبركااته..

قلم رصاص
09-26-2008, 03:34 PM
الأخت نور...وعليك السلام ورحمة الله وبركاته

شكرا لمرورك الكريم ولتعقيبك الأجمل

السومري
10-11-2008, 06:29 AM
شكرا على الموضوع

see you